الآلهة ، والأمر بعبادة إله واحد ، كما أنهم استهانوا بالرسول انطلاقاً من مقاييسهم المادية .
ويعالج القرآن هذه الحالة ببيان حقارة ما يملكون ( من قوة ومن غنىً ) ، إذا قيس بملك السماوات والأرض ، وبخزائن رحمة الرب العزيز ( الآيات : 1 - 11 ) .
أما خاتمة السورة ؛ فتذكرنا بقصة إبليس الذي رفض السجود لأبينا آدم عليه السلام اعتزازاً بعنصره الناري ، وكيف أن هذه العزة الآثمة كانت وراء هلاكه وهلاك تابعيه إلى يوم القيامة ، حيث يحشرون في نار جهنم حشراً ( الآيات : 71 - 88 ) .
وبين تلك الفاتحة وهذه الخاتمة يسرد السياق نمطين من القصص :
الأول : قصص المكذبين الهالكين يشير إليها مجرد إشارة ( الآيات : 12 - 16 ) ، بينما يفصل القول في النمط الثاني الذي وهب الله لهم الرب ملكاً واسعاً ، وثروة عريضة ، ولكنهم لم يغتروا ولم يشاققوا الله بها كداود وسليمان عليهما السلام ، ثم إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام ، ويبين أنهم فازوا بنعيم الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، بالإضافة إلى الذكر الحسن عبر التاريخ ( الآيات : 17 - 54 ) . وفي مقابل هؤلاء يذكرنا السياق بمصير المكذبين الذين أقحموا في نار جهنم ليتخاصموا مع بعضهم ، وبالذات يتخاصم التابعون مع المتبوعين ( الآيات : 55 - 70 ) .
ومن خلال قصص الأنبياء وتقديرهم ، وبيان الحكومات العادلة التي أقاموها في الأرض ، وبالذات قوله الله عز وجل لداود عليه السلام : يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ .
ومن خلال بيان هلاك إبليس بسبب رفضه السجود لآدم عليه السلام ، وبيان هلاك المستضعفين بسبب تسليمهم للمستكبرين ، نستطيع - من خلال كل ذلك - أن نعرف أن مراد السورة بيان زيف السلطات القائمة على أساس القوة والثروة ، وسائر القيم المادية الأخرى ، وضرورة إقامة حكومة العدل الإلهية القائمة على أساس أمر الله وخلافته ، وأن أساس الولايات الباطلة العزة والشقاق ، بينما أساس الولاية الربانية الحق .
إن فتنة القوة في الحياة ؛ فتنة كبيرة وخطيرة ، ومن تخلص من غرورها ، فإنه يتغلب على سائر الفتن بصورة أسهل . . ذلك أن الإنسان يقتحم الصعاب ويركب الأهوال والمخاطر من أجل السلطة ، فإذا تنازل عنها أو بلغها ولم يسخرها إلا في سبيل الخير ، فإنه آنذاك سينتصر على أهوائه وعلى الضغوط المحيطة به .
وفي الوقت الذي حدثتنا هذه السورة عمن صرعتهم هذه الفتنة فراحوا يعتزون بقوتهم ويتحدون ربهم ويعتزون بآلهتهم التي تمثل رموز ومظلات سلطتهم ، ويخالفون ولاية الله
من هدى القرآن — صفحة 74
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٤