والقرآن لا يبدأ السورة بالحديث عن الشورى ، بل يبدؤها بالحديث عن الوحي ، لأن الوحي هو محور المجتمع الإسلامي ، وأساس وحدته ، ذلك لأن أي مجتمع يقوم على أساسين :
الأول : وجود شريعة ، أو كتاب ، أو منهج متكامل ، وفي أمتنا الإسلامية يجسد القرآن هذا الأساس .
الثاني : وجود القيادة الصالحة التي تحدد معاني الكتاب ، وتستنبط الأحكام منه ، وترسم المنهج السليم للحياة به .
وهذا ما يفسر ابتداء السورة بذكر القرآن وانتهائها إلى ذكر الرسول ، وبين هذا المبتدأ وذلك المنتهى تبصِّرنا آياته بلطائف القيم المباركة في الوحدة . وفيما يلي نستوحي تفصيلًا لهذا الموجز :
فاتحة السورة تذكرنا بالوحي الذي يلقيه الله العزيز الحكيم مليك السماوات والأرض العلي العظيم ، وكفى بالوحي عظمة أن السماوات والأرض يكدن يتفطرن من فوقهم من عظمة ربهن أو من كلماته . أما الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم ، ويشفقون على من في الأرض - بالذات المؤمنين منهم - فيستغفرون لهم ، لأنهم يرون جانباً من عظمة ربهم ، والله غفور رحيم ( الآيات : 1 - 7 ) .
وهذه الفاتحة تنسجم مع خاتمة السورة التي تبين صفات الوحي ، حيث لا يتلقاه البشر إلا إلهاماً أو من وراء حجاب أو عبر رسول من عند الله ، وأنه قد هبط إلى الرسول الروح ، ومن قبل لم يكن النبي يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، أما اليوم فعنده نور يهدي به الله من يشاء إلى صراط مستقيم ، وهو صراط الله الذي إليه ترجع الأمور ( الآيات : 51 - 53 ) .
وبين هذه الفاتحة وتلك الخاتمة اللتين تتحدثان عن محور المجتمع الإسلامي وصبغته الأساسية ، وهو الوحي ، تجري آيات الذكر في تبيين أسس الوحدة في الأمة ، بل وترسي هذه الأسس ببصائرها ونذرها وبشائرها . كيف ؟ .
ألف : تقسم ( الآية : 8 ) الناس فريقين ؛ من هداه وأدخله في رحمته ، والظالمين الذين مالهم من ولي ولا نصير . وبعد أن يحدد القرآن الصفة الرئيسة للظالمين وهي الشرك بالله - الذي يُعَدَّ جذر كل فساد - يثبت مبدأ التحاكم إلى الله في الاختلاف ، وبالذات إلى وحي الله ومن نزل عليه الوحي أو استوعبه ، والإنابة إليه ، والتوكل عليه ( الآيات : 9 - 10 ) .
باء : ويذكرنا السياق - بعدئذ - بأن الله الذي فطر السماوات والأرض ، خلق الناس
من هدى القرآن — صفحة 340
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٠