فمن الناحية التكوينية وفَّر الله للإنسان الحرية ليفعل بها ما يشاء ، فأشرك به سبحانه ، ولكن من الناحية التشريعية لم يرض له الشرك ، وبتعبير آخر لم يجبر الله الناس على التوحيد ، ولو فعل ذلك بطل الثواب والعقاب ، ولكنه أمرهم ونهاهم ورغبهم وأنذرهم ووفر لهم المشيئة ، ولولا المشيئة الإلهية لم يقدر أحد على عصيانه ، فهو الذي جعلهم مختارين ، وأعطاهم القدرة .
ونستطيع أن نشبِّه هذه الحالة بمن يعطي ابنه دينارا ويأمره بأن يشتري ما ينفعه فيشتري ما يضره ، فهو قد اشترى بمال أبيه ما لم يرض به . ورضى الله أو عدم رضاه ليس كما نحن البشر - كما أسلفنا في كثير من السور أن الله تنطبق عليه الغايات لا المبادئ - فرضى الله قد يكون بتوفيقه للإنسان ، واستجابة الطبيعة من حوله ، لأن كل ما في الحياة يستجيب للتوحيد وينسجم معه ، ويتناقض مع الشرك وينفر منه .
وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ فالله يرضى الشكر لعباده ، وعندما يشكر الإنسان ربه ففي شكره إرادتان : إرادة تكوين ، وإرادة تشريع ، وهناك من يبرر شركه بإلقاء المسؤولية على غيره ، ولكن الله ينفي ذلك ، ويؤكد أن كل إنسان يتحمل مسؤولية عمله ، ولا يتحمل الآباء أو العلماء أو السلطات من وزره شيئا . وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الوازرة : النفس التي تحمل ثقلا ، فكل إنسان يحمل حملا ، ومن عنده حمل لن يرضى أن يحمل حمل الآخرين ، إذ له من الحمل ما يكفيه .
وسواءٌ بررنا أم لم نبرر فإن جزاء أعمالنا يوفى إلينا يوم القيامة ، حين ينبئ الرب عباده بكل صغيرة وكبيرة عملوها ، ولعلهم نسوا أو تناسوا بعضها ولكن كتاب ربنا لا يضل ولا ينسى . ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وعلم الله لا يقتصر على ظواهر العمل بل ينفذ إلى القلب حيث الدوافع والنيات . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ولعل الآية تشير إلى فعل القلب ومسؤولية الإنسان عنه ، والوساوس والتبريرات والعقائد الفاسدة والرضا والبغض كلها من فعل القلب ، فمثلا كثيرا ما يزعم الفرد أنه مجبور على عمل وهو غير مجبور والله يعلم ما في صدره .
[ 8 ] وبعد أن نسف السياق قواعد التبرير ، ومَهَّد القلب لتلقي الحجة ، أبلغنا بأنفذ الحجج وهو دليل الفطرة والوجدان ، حيث ينقطع في أوقات المحنة أمل الإنسان في أي شيء سواه سبحانه ، وهنالك يتصل قلبه بالله ، إن الله هو ذلك الأمل الذي ينجيك حين لا منجى ، ويتعلق قلبك به حين لا تجد خشبة خلاص تتعلق بها ، وهذه أحد الأدلة والشواهد التي تهدينا إليه سبحانه ، ففي أيام الرخاء تعترينا الغفلة ، وننسى الله ، إلا أن المصائب حين تأتي تحدث هزات عنيفة ليس لكيان الإنسان وإنما لضميره ووجدانه حيث يرى الله ، والمؤمنون غير هؤلاء ،
من هدى القرآن — صفحة 146
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٦