تكون المكتسبات الدنيوية هي مؤشر النجاح والقوة تنحرف المسيرة عن القيم ، فكثيرا ما يكون اكتسابها بغير السبيل القويم .
وحين يعتمد البشر على غير الله يكله الله إلى نفسه فيخسر الدارين . أرأيت كيف أخذ يقلب كفيه على ما أنفق على حقوله الزراعية ، ذلك المغرور الذي نصحه صاحبه أن يقول ما شاء الله ، فرفض ، أورأيت قارون حين أبى نصيحة قومه إذ قالوا له : لا تفرح ، كيف خسف الله به وبداره الأرض ؟ ! .
كذلك الذين يفرحون بما لديهم من أموال وأنصار فيفرقهم هذا الغرور عن بعضهم ، ويبعدهم عن دينهم ، ويلحقهم بالمشركين وهم يحسبون أن مكتسباتهم الدنيوية دليل صدقهم ، بينما هم الأخسرون أعمالا .
[ 33 ] متى يعرف البشر أنه على حق ، أم على باطل ؟ ومتى يتهاوى وهم القوة المكتسبة بالدنيا وبغير التوكل على الله ؟ .
إن ربنا يعطينا مقياسا وجدانيا ذاتيا ، ففي حالات الضر والاضطرار هنالك ينسى كل الآلهة المزيفة التي كان يعبدها ، ينسى هواه ويتجه بقلبه إلى ربه وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ولكن . . ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ .
وهذه مشكلة الإنسان أنه ينسى ساعات الحرج التي مر بها ، ولا عذر للإنسان أن يقول : لم أعرف الله . بلى ؛ قد عرفت حين الحاجة ، فقد توجهت آنذاك إلى الله .
ونجد في الآية التعبير ب مَسَّ وأَذَاقَهُمْ وهما يدلان على أدنى الإحساس ، ويعكسان بالتالي طبيعة البشر الجزوع ، وكيف أنه بمجرد أن يمسه ضر يلجأ إلى ربه ، ثم بمجرد أن يذيقه طعم رحمته ينكفئ ويشرك به .
والمفهوم من الآية أن الناس جميعا يتوجهون إلى ربهم عندما يحسون خطرا ، بينما بعضهم فقط يشركون بربهم عند النعمة .
وفي الآية هذه علاج حالة التحزب ، حيث إن الذين فرقوا دينهم إنما فرحوا بما لديهم ، واغتروا بما يملكون من ثروة أو سلطان ناسين نعم الله عليهم ، وكيف أنه سبحانه ملجؤهم الأخير حين تتقطع بهم السبل ، وتضيق عليهم مذاهب الدنيا ، هنالك ينسون محاورهم الحزبية ، وانتماءاتهم المختلفة ، ويتجهون إلى ربهم العزيز المقتدر .
[ 34 ] وهؤلاء الذين يشركون فور إحساسهم بالنعمة ، ويفرحون بما لديهم من نعم
من هدى القرآن — صفحة 42
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٢