تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
اختلف المفسرون في معنى الخمط والأثل ، إلا إنهما كما يبدو شجرتان بريتان شوكيتان ، قد تكون إحداهما الأراك والأخرى السمر ، وكذلك السدر من الأشجار التي تقاوم الجفاف . [ 17 ] ويبين الله السبب الرئيسي الذي يقف خلف هذه النهاية المدمرة ألا وهو الكفران بالنعمة ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا بالله وبأنعمه ، وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ . ومن هذا المقطع نستفيد حقيقتين : فمن جانب هناك إشارة إلى أن الجزاء يشمل كل كفور ، دون أن يختص بهذه الجماعة التي يذكرها القرآن ، ومن جانب آخر يوضح تعبير الْكَفُورَ بأن الرب يعطي فرصة للعباد عند الخطيئة ، المرة بعد الأخرى رحمة بهم ، فهو لا يأخذهم بالعذاب في بادئ الأمر ، إنما بعد الإصرار على الذنب ، وصيغة المبالغة الْكَفُورَ تدل على تكرار الكفر بالنعمة . هكذا بادت الحضارة الزراعية التي انتشرت ربوعها على أطراف شبه الجزيرة ، التي لم يكن الرجل يحتاج وهو يمشي بين أغصانها المتدلية بأصناف الثمر لكي يقطف منها ما يشاء ، إلا للقليل من الجهد ، وحلت محلها حياة قاسية . [ 18 ] ثم ينتقل بنا السياق إلى تجربة حضارية ثالثة ، من واقع القرى التي امتدت من اليمن حتى مكة والمدينة ، والتي تميزت بالظهور وهو الارتفاع أو القوة أو الشهرة ، وبالنظام والامتداد ، وأخيرا بالأمن الذي يعتبر من أعظم نعم الله على الإنسان . وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ أي بين أهل سبأ الذين مر الحديث عنهم في الآيات السابقة ، وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وهي مكة وما حولها ؛ قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ . ولعل هذه إشارة إلى النظام ، حيث جعل الله السير فيها مقدورا ، ويعتبر ذلك ميزة لحضارة هذه القرى ، لأنها كانت تعيش في منطقة جبلية يصعب السير فيها ، وربما كانت جبالها ووديانها تبتلع القوافل الضائعة . سِيرُوا فِيهَا لَيَالِي وَأَيَّاماً آمِنِينَ وهذه العبارة توحي لنا بمعنيين : الأول : سعة الحضارة ، إذ يسير فيها الإنسان أياما وليالي ، فهي إذن ممتدة شاسعة المساحة . الثاني : الأمن الذي كانت تتمتع به هذه القرى ، والجدير بالذكر أن الأمن في ذلك الزمان وفي هذه المنطقة التي يحدثنا عنها القرآن بالذات كان أمرا نادرا بسبب عصابات قطاع الطرق ، والوحوش .