[ 68 ] وعادة ما يبحث المضللون عن أعذار ترفع عنهم مسؤولية الانحراف ، وتلقيها على كاهل السادة والكبراء منهم ، وقد يستطيعون خداع الناس في الدنيا بسببها ، ولكن أنى لهم خداع الله ؟ ! .
رَبَّنَا آتِهِمْ السادة والكبراء ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً والله سوف يعذب هؤلاء ضعف الآخرين وأكثر ، إلا إن ذلك لن يرفع عن أولئك العذاب ، إنما سيمكثون في السعير خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً .
[ 69 ] ثم يحذر الله المؤمنين مباشرة بعد تحذيرهم الضمني بالتعرض إلى حال المضللين في الآخرة من الصبر الذي انتهى إليه أولئك باتباعهم القيادات المضلة فهي دوما تسعى لإشاعة الأفكار الخاطئة ، والأراجيف والدعايات الباطلة حول قيادة الحق لفض الناس من حولها ، وجرهم نحوهم عن طريق الإعلام .
يقولون : لا تنصاعوا لهذه القيادة فإنها تورطكم ، وتعرضكم للسجن والقتل والتشريد : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ما تثيره القيادات المضلة من شائعات حول القيادة الرسالية سوف تنفضح ، لأن حكمة الله وبالتالي قوانين الحياة وسننها قائمة على نصرة الحق وأهله وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً .
[ 70 ] ولأن الشائعات الباطلة قد تتلاقفها الألسن دعا الله المؤمنين إلى الكلمة الصالحة ، وإلى تحمل مسؤولية الكلام ، ولا يتم ذلك إلا بالتفكير والاستقراء المنطقي ، وقبل ذلك كله بتقوى الله ، ذلك أن التقوى تصنع في النفس نوعا من الرقابة الذاتية والمحاسبة ، فالمتقي يخشى من اتهام الآخرين ، ومن المشي بالغيبة والنميمة ، وهذه الأمور من مقومات الإعلام المنحرف ، والشائعات يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ولا يكون القول سديدا حتى يكون سليما ، وفي وقته المناسب ، ولا يكون كذلك إلا بالتفكير والنظر إلى الواقع والمستقبل . والذي يميز المؤمن عن المنافق أن المؤمن يتحمل مسؤولية كلامه ، فهو يفكر كثيرا قبل الكلام ، بينما المنافق يبادر بالحديث دون رؤية فيبتلى بكلام ، وفي الحديث :
( وإِنَّ لِسَانَ المُؤْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وإِنَّ قَلْبَ المُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ )
« 1 » .
ولو تكلم المؤمن بكلام ثم اكتشف أنه كان خطأ اعترف بالخطأ ، وتراجع عن موقفه وكلامه ، أما المنافق فتأخذه العزة بالإثم .
قال أبو عبد الله عليه السلام لعباد بن كثير البصري الصوفي :
( وَيْحَكَ يَا عَبَّادُ غَرَّكَ أَنْ عَفَّ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 291 .