أما الجواب عن السؤال الثالث :
ألف : فقال جماعة من المفسرين إن الاستخلاف يعني ذهاب طائفة من الناس ، وحلول أخرى محلها .
باء : وقال آخرون إن معنى الاستخلاف هو إكرام الله المؤمنين بجعلهم أئمة الناس ، ليقوموا بتطبيق الشريعة ، كما استخلف الأنبياء والأوصياء والصالحين من المؤمنين من قبلهم .
والواقع إن الخلافة كما جاء في ( ألف ) ، فهذا هو المعنى الضيق للكلمة ، فكل الناس خلفاء لمن سبقهم ، حتى الكفار منهم ، فلا داعي للتخصيص ، لأن الله وعد المؤمنين بالخلافة عامة .
وعموما فإن الخلافة في الأرض هي القيادة التي يهبها الله لفئة من الناس ، لأنهم يتبعون ما أنزل عليهم من قيم .
إذن فواقع الاستخلاف يعني أمرين :
الأول : إن الله يعطي السلطة للمؤمنين ويمكن لهم تمكينا .
الثاني : إن هذه السلطة لا تكون إلا بإذن الله الذي يحققها ويعطيها الشرعية .
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ فسلطتهم ليست كأي سلطة مادية ، بل هي سلطة روحية تهديها القيم الرسالية ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ الذي عاشوه في ظل السلطات الجائرة وهم يقاومونها حتى يقيموا دولة الحق ، أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً إن الهدف الحقيقي للحكم الذي يعطيه الله للإنسان ، ليس التسلط على رقاب الناس ، فهو ليس هدفا بذاته ، بل الحكمة منه هو عبادة الله وعدم الشرك به .
إن توفر ظروف التخلص من الضغوط الشركية حيث يرتاح الإنسان من شبكات الاستعباد التضليلية والمالية والسلطوية هي أعظم نعمة يهبها الله للإنسان .
ومن المعروف أن الشرك لا يتحقق بعبودية الصنم ، بقدر ما يتحقق بعبادة الطاغوت والخضوع لسلطته الجائرة ، أو بعبادة المال ، والأرض ، والعنصر . . . الخ .
ورفض الشرك إنما هو رفض للقيم التي يتغذى منها ، ولعل هذا ما نلاحظه في التعبير القرآني ، إذ لم يقل تعالى : ( لا يشركون بي شخصاً ) مثلا ، وإنما أطلق وقال : شَيْئاً ، ذلك لأن من يخضع للطاغوت لا يعبد جسده ، وإنما يعبد الصولجان الذي بيده ، والقوة التي تحت
من هدى القرآن — صفحة 72
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٧٢