يحرقون أشد أجزاء بدنهم حساسية ، أو يعتدون على شرفهم وينتهكون أعراضهم .
ولكنهم لا يزالون صامدين بتوفيق الله ، لأن أرواحهم قد صفت من حب الدنيا ، وربتهم هذه الآية الكريمة ، وعرفوا حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة ، فلم يختاروا على الآخرة شيئا .
وليس المهم أن يعلم الناس إيمانك ، بل الأهم أن يعلم الله صدقك .
[ 4 ] مسكين ابن آدم يزعم أنه يهرب من حكومة الله ، أو يعجزه هربا ، ويسبق قضاءه وقدره ، وإنما مثله مثل الرجل الذي جاء إلى الإمام الحسين عليه السلام فقال له : أَنَا رَجُلٌ عَاصٍ وَلَا أَصْبِرُ عَنِ الْمَعْصِيَةِ فَعِظْنِي بِمَوْعِظَةٍ . فَقَالَ عليه السلام
افْعَلْ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ :
- فَأَوَّلُ ذَلِكَ : لَا تَأْكُلْ رِزْقَ الله وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ .
- وَالثَّانِي : اخْرُجْ مِنْ وَلَايَةِ الله وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ .
- وَالثَّالِثُ : اطْلُبْ مَوْضِعاً لَايَرَاكَ اللهُ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ .
- وَالرَّابِعُ : إِذَا جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَكَ فَادْفَعْهُ عَنْ نَفْسِكَ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ .
- وَالْخَامِسُ : إِذَا أَدْخَلَكَ مَالِكٌ فِي النَّارِ فَلَا تَدْخُلْ فِي النَّارِ وَأَذْنِبْ مَا شِئْتَ »
« 1 » .
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا يفوتوننا . كلا . . سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ما من يوم يمر على الصابرين حتى يقتربوا يوما إلى رحمة ربهم ، ولا يمر يوم على الجلادين حتى يقتربوا خطوة إلى العذاب .
[ 5 ] مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وتعطي هذه الآية أملا لمن يرزح تحت سياط الجلادين ، أو في دهاليز سجون الظالمين ، أو المنبوذين بسبب إيمانهم ، فمتى ما تناهى البلاء قرب الفرج ، وإن جهادك وصبرك إنما هو بعين الله .
لقد بعث الطاغية العباسي هارون الرشيد إلى الإمام موسى بن جعفر عليه السلام الذي كان معتقلا عنده من يستميله ، فبعث الإمام عليه السلام إلى الرشيد من الحبس برسالة :
« إِنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا انْقَضَى عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ حَتَّى نَقْضِيَ جَمِيعاً إِلَى يَوْمٍ لَيْسَ لَهُ انْقِضَاءٌ يَخْسَرُ فِيهِ المُبْطِلُونَ »
« 2 » .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 126 .
( 2 ) بحارالأنوار : ج 48 ، ص 148 .