أوليس طلب المزيد من الحقوق في مقابل القليل من الواجبات يرجح كفة الفساد في حياتك ؟ ! بلى ؛ لذلك جاء في الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام في صفة المؤمن :
« المُؤْمِنُ حَسَنُ المَعُونَةِ خَفِيفُ المَئُونَةِ جَيِّدُ التَّدْبِيرِ لِمَعِيشَتِهِ لَا يُلْسَعُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ »
« 1 » .
إن منهج الاستهلاك والشره والحرص على الدنيا في أبناء المجتمع هو الذي يؤدي - بالتالي - إلى سيطرة المترفين من أولي الثروة ومن خلالها تتحكم القوى المستكبرة خصوصاً من أعداء الأمة بالأمة ، إن المترفين هم الجزء الظاهر من جبل الثلج في فساد الاقتصاد . إنهم فروع شجرة ضربت بعروقها بعيدا في أعماق المجتمع .
إن الركض وراء الربح السريع ، والتهاون في العمل ، والبحث عن الرفاه والرخاء المجانيين ، وترك الإتقان ، والتطفيف في العمل . كل هذه عوامل للانحطاط الاقتصادي ، الذي يؤدي بدوره إلى الفقر والتبعية .
متع الدنيا وسائل بلوغ الآخرة ، وأفضل المناهج للتحرز من الفساد الزهد في الدنيا ، دعنا نتلو معا الحديث التالي في تفسير الآية ، وبيان المصاديق الخفية منه .
روى حفص بن غياث قال أبو عبد الله عليه السلام :
« . . مَا مَنْزِلَةُ الدُّنْيَا مِنْ نَفْسِي إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ إِذَا اضْطُرِرْتُ إِلَيْهَا أَكَلْتُ مِنْهَا ، يَا حَفْصُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلِمَ مَا الْعِبَادُ عَامِلُونَ وَإِلَى مَا هُمْ صَائِرُونَ فَحَلُمَ عَنْهُمْ عِنْدَ أَعْمَالِهِمُ السَّيِّئَةِ لِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِيهِمْ فَلَا يَغُرَّنَّكَ حُسْنُ الطَّلَبِ مِمَّنْ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ .
ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ : تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ . . . الْآيَةَ ، وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ عليه السلام :
ذَهَبَ وَالله الْأَمَانِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ .
. . . قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا حَدُّ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا ؟ . فَقَالَ عليه السلام :
فَقَدْ حَدَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ
: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) « 2 » .
وإذا كان الإمام الصادق عليه السلام يبكي عند تلاوة هذه الآية خشية ألا يكون ممن تشملهم فكيف بمثلي ممن استبد بقلبه حب الدنيا ، وحليت في عينه الضيقة ، واستهوته الرئاسات وطلبها بكل وسيلة ؟ ! أعاذنا الله جميعا منها ومن شرورها .
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ الذين يحفظون أنفسهم من نار جهنم بالتزام نهج الحق ، وتعاليم الشرع في كل صغيرة وكبيرة .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ص 241 .
( 2 ) بحارالأنوار : ج 75 ، ص 193 .