نتبع قائدا ، لننظر هل نملك على طاعته برهانا يوم القيامة ، حيث لا ينفع الجدل والتظني والتبرير فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ يوم القيامة تبلى السرائر ، وتظهر الحقائق ، ويتلاشى الباطل والكذب ، كما تتبدد الأعمال المنافقة ، ولعل فاتحة الآية تشير إلى ضلال وضياع عبادتهم للأنداد ، وأيضا أعمالهم التي مارسوها في الإطار الشركي .
[ 76 ] ومن جملة ما يفتري الإنسان على الله هو اتباع مالكي المال والثروة إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ انحرف عنهم ، وصار يظلمهم .
وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ والعصبة كما في تفسير علي بن إبراهيم :
« مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى خَمْسَةَ عَشَر »
« 1 » .
لقد رزقه الله كنوزا ذات مفاتيح ( صناديق وخزائن ) لو حملتها العصبة أولو القوة لأرهقتها ، وكان الهدف من إعطائه الثروة امتحانه . ذلك أن المؤمن الحقيقي تزيده الثروة قربا إلى الله ، وتواضعا في خدمة الناس ، - ولهذا جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :
« قال رسول الله صلى الله عليه وآله : الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الصَّائِمِ المُحْتَسِبِ ، والمُعَافَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ المُبْتَلَى الصَّابِرِ ، والمُعْطَى الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ كَأَجْرِ الْمَحْرُومِ الْقَانِعِ »
« 2 » - .
أما ضعيف الإيمان أو المنافق فإنها لا تزيده من الله إلا بعدا ، وفي الناس إلا تكبرا وغرورا ، ولم يكن قارون من النوع الأول ، فبادر المؤمنون لنصيحته : إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ والفرح في هذه الآية بمعنى الغرور ، وهو انعدام الهدف ، وإحساس الإنسان بحالة الإشباع ( انعدام المسؤولية ) وكثير هم الذين يصابون بهذا الداء بسبب الجاه والثروة ، قال تعالى : كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [ العلق : 6 - 7 ] .
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ لأنهم ينسون الله فينساهم ، بل كثيرا ما يجرهم الفرح لمبارزة الله .
[ 77 ] الدنيا سلاح ذو حدين فإما تؤدي بصاحبها إلى النار وذلك حين يتصورها هدفا بذاتها ، وإما أن تؤدي به إلى الجنة وذلك حينما يتخذها مطية لعمل الصالحات ، فالغنى يصير فضيلة إذا استخدمه صاحبه في سبيل الله . هكذا يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن الدنيا :
« مَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ ومَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 144 .
( 2 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 41 .
( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة : 82 .