الألوهية ، واعتقد بأنه قادر على مقاومة الحق ، وأن الحياة لا يحكمها قانون ، لكن الواقع كان خلاف ذلك ، فقد اصطدم بالواقع ، إذ تبين له أن فيها سننا ، وأن هناك من يجري هذه السنن .
بينات من الآيات :
أنا ربكم الأعلى
[ 38 ] يبدو أن موسى عليه السلام صعق الملأ بكلامه ، فاهتزت قناعاتهم بفرعون ، واضطره إلى الدفاع عن خرافاته بأساليب جديدة ، حيث قال :
أولًا : أنه يريد مصلحة الملأ ، وأنه لم يجد إلها غيره يحققها ، وتظاهر ثانيا : بأنه سوف يبحث عن ذلك الإله الذي يدعو إليه موسى وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فما دام هو لا يعلم من إله غيره ، فالآخرين لا يعلمون أيضا ، بل يجب أن لا يعلموا ، وهو يقول : لَكُمْ لإيهامهم أنه ينفعهم ، وهو يخاطب الملأ ، لأنه كان قد سلطهم على الناس ، وأعطاهم امتيازات كثيرة .
فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً قال : لِي وليس للشعب ، أو من أجل القيم ، والصرح هو العرش أو القصر المرتفع ، الذي كان قديما يبنى من الآجر ، وهذا بدوره يصنع من الطين بعد تعريضه للنار ، وما هو هدفه من بناء هذا الصرح ؟ .
لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ
الهدف الأول : إظهار القوة ، فكلما شعرت السلطات الفاسدة ، عبر التأريخ بأنها ضعيفة ، وأنها سوف تنهار ، سعت للبحث عن مظهر من مظاهر القوة ، حتى ولو كان هذا المظهر هو بناء العمارات أو الجسور ، التي تشملها عمليات ما يسمى بالتحديث .
ولا ريب أن قسما من الناس السذج يعجبون بمثل هذه الأعمال ، فيتصورون الطاغوت بقوتها وضخامتها ، وفرعون عندما يبني هذا الصرح أو تلك الأهرامات فلكي يغطي بها الاهتزاز الذي أصاب كيانه الجاهلي بسبب رسالة موسى عليه السلام .
واليوم نجد كثيرا من الأنظمة الفاسدة تكدس الأسلحة ، لتتظاهر أمام شعوبها بالقوة ، ولعل الآية توحي بنظرية في علم الاجتماع تقول : إن التضخم المادي ينبئ بخلل داخلي يعاني منه المجتمع أو النظام السائد فيه ، وكما المتكبر يستعلي عندما يحس بعقدة الضعة في نفسه ، كذلك المجتمع المغرور داخليًّا يهتم بمظاهر الأبهة كبناء القصور الضخمة ، أو المعابد الكبيرة ، أو ما
من هدى القرآن — صفحة 346
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٦