يستجيبون لاقتراح أخته بأن تدلهم على مرضعة يقبلها هي أمه .
وفعلا تحركت أخته لتخبر أمها بالأمر ، وجاءت أم موسى عليه السلام صابرة متجلدة ، وملتزمة بكامل السرية ، فارتضع موسى منها ، وعاد إليها سالما كما وعد الله ، والدرس الذي نستفيده من هذا الحدث هو : إن الرساليين لو صبروا والتزموا بالمنهج السليم ، الذي يرسمه لهم الله عبر آياته ووحيه ، وهدى عقولهم فإن الله سينصرهم كما وعد ، ومن أصدق من الله قيلا ؟ ! .
وفي آخر الدرس نجد صورة من الصراع بين المستضعفين والمستكبرين .
بينات من الآيات :
فرددناه إلى أمه
[ 10 ] وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً أفرغته من كل اهتمام وانصب تفكيرها على مصير ولدها الصغير ، وهكذا يكون الإنسان حينما يواجه مشكلة أو أمرا هاما في حياته ، ويقال : فارغا أي مهموما وحزينا ، وربما فسرت الآية : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [ الشرح : 7 ] ، أي إذا حزنت وغممت ، وهذا التفسير يتناسب وموضوع سورة الانشراح .
إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا أي أعطيناها الصبر والمقدرة على كتمان السر ، وذلك بجعل قلبها مستقراً متماسكاً ومطمئناً لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ والقرآن يبين في هذا المقطع من الآية أهمية الكتمان في الانتصار ، وكيف أنه شرط الإيمان . إذا لو أبدت أم موسى مشاعرها تجاه ولدها إذن لما كانت من المؤمنين فالإيمان بالله ووحيه والتوكل عليه وحسن الظن بتدبيره تعالى هو نتيجة ( الربط ) ، وينتج عنها التصرف الحكيم بالكتمان . فالكتمان إشارة لاستقرار القلب على الإيمان بوحي الله وتدبيره . وروي عن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال : )
اسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ »
« 1 » .
[ 11 ] وبعد أن ألقت أم موسى عليه السلام بوليدها لم تترك الأمر هكذا تنتظر وليدها حتى يعود إليها ، بل أمرت أخته أن تلحق بالتابوت ، ولكن بسرية تامة وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حتى لا تكون العلاقات بينهما وبينه واضحة ، فلا يقبل منها اقتراحها بأن تدلهم على من يرضعه مثلا ، لو عرفوا أنها أخته ، وربما يقتلونه .
[ 12 ] وهكذا عملت أم موسى كل ما في وسعها ، فكان ذلك تهيئة لتدخل الإرادة الإلهية
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 74 ص 153 .