المدينة ، ولما رحل عنها جاء ثمود العذاب الشديد فدمرهم تدميرا ، وتشبه قصة المؤامرة هذه قصة تآمر كفار مكة على قتل النبي صلى الله عليه وآله ليلة هجرته ، ومبيت علي عليه السلام على فراشه ، والتي باءت بالفشل بسبب هجرة النبي عن مكة .
إن هذه القصة هي قصة صراع وتحد ، وهاتين الصفتين من سمات الرسالة الإلهية ، ولهذا فإن الرسل يتحدون ، ويقاومون الضغوط ، ويتعرضون للأزمات ، فهم يسعون من أجل تغيير الأوضاع باجتثاث الفساد من جذوره ، ومن هنا نعلم أنه لا يمكن أن يكون الرسل ممن ينعزلون عن الأعمال الجهادية ، ويتركون التحدي والمواجهة والتصدي .
بينات من الآيات :
[ 45 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً إن الله سبحانه يبعث للناس أنبياء ، يختارهم من بينهم ، لكي يحدثوهم بلغتهم ، ولتكون الحجة عليهم أبلغ ، ولكي لا يقولوا : لو كان النبي من قومنا لآمنا به .
ولقد كانت رسالة صالح كرسالة سائر الأنبياء جاءت لتقول لهم : أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ وفي هذه الآية تلميح إلى وجود الصراع بين طائفتين ممن أرسل إليهم الرسول ، فإذا هم فريقان : فريق يؤمن برسالة صالح ونبوته ، وفريق يكذبه ويكفر به ، والصراع في بدايته حوار وجدل ينتهي إلى مواجهة عنيفة ، وعادة ما يركز القرآن على موضوع المواجهة ، ونجده أكثر وضوحا في سورة القصص .
[ 46 ] قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لقد قال لهم صالح عليه السلام : إن مخالفتكم وتحديكم للرسالة دلالة على أنكم تستعجلون العقاب والعذاب قبل الثواب ، وأنكم لا تعطون لأنفسكم فرصة لتجربة الرسالة ، قبل رفضها وإنكارها .
وللإنسان فرصة لتجربة بعض الحوادث الجديدة ، ولكن من الحوادث ما لا تستطيع تجربته ، ولا بد أن تنتفع بعقلك ، ولكن التجارب تختلف فقد تكون سلبية أو إيجابية .
شخص في غابة ، يقال له : تعال اركب معنا ، وإلا أكلتك الذئاب ، فيقول : فلنجرب إن كان ما تقولونه صحيحا . هل تنفعه التجربة ؟ ! .
كلا . . وكذلك الذين لا يؤمنون بالرسالة حتى يروا العذاب بأعينهم ، وحينئذ لا ينفع إيمانهم شيئا . لماذا لم يجربوا الإيمان بعض الوقت إن كانوا يؤمنون بالتجربة ؟ ! .
من هدى القرآن — صفحة 276
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٧٦