يبين ربنا قصص الأنبياء ، وها هو موسى عليه السلام يسير بأهله فيأنس نارا فيذهب ليأتي منها بخبر ( عن الطريق ) أو قبس ليصطلي ويستضئ به إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ .
[ 8 ] فَلَمَّا جَاءَهَا حين اتجه موسى عليه السلام نحو النار ووصل على مقربة منها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا قال البعض : إن من في النار هم الملائكة ، ومن حولها هو موسى . وقال البعض : إن مَنْ فِي النَّارِ هو الله الذي تجلى هنالك ببعض أسمائه ، وقد قال ربنا : وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وقد جاءت الخاتمة لبيان تقديس الرب من الحلول في مكان .
ويحتمل أن يكون المقصود بمن في النار هو موسى ، ومن حولها الذين يقتبسون منه ، وينتهجون خطه .
وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أي تعالى الله أن يكون حالا في النار ، لأنه أكبر من أن يحده شيء .
[ 9 ] إن النداء الذي تلقاه موسى عليه السلام هو المسؤولية التي تتمثل في الرسالة الإلهية المنزلة إليه ، ينذر بها قومه ، ويتحدى بها النظام الفاسد .
يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وهذا هو المنطلق .
[ 10 ] وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ يقول المفسرون إن الجان هي الحية الصغيرة سريعة الحركة ، ولكنا نعلم أن عصا موسى عليه السلام تحولت إلى ثعبان ضخم ، وعليه فقد يكون التعبير بكلمة جَانٌّ وهي الحية الصغيرة لبيان معنيين :
الأول : جانب الخفة والسرعة في الحركة حتى كأن هذا الثعبان الضخم في خفته حية صغيرة .
الثاني : أنه كان في ضخامته كأنه الجن .
وموسى عليه السلام حين رأى هذا المنظر الرهيب : وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ أي هرب ولم يلتفت إلى خلفه ، أو لم يتعقب الأمر ويتابعه مرحلة فمرحلة ولحظة فلحظة ، إلا إن العناية الإلهية تحوط موسى وتمده بالعون في كل حين ، لذلك جاءه النداء تثبيتا له : يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ .
الرسالة هي عطاء إلهي جديد يضاف إلى الرسول ، وليست نبوغا فطريا ، ولا نموا طبيعيا في حياته ، لذلك نجد موسى عليه السلام يخشى ويخاف من العصا التي ألقاها هو نفسه ، إذ لم يكن يعلم أنها ستتحول إلى جان .
من هدى القرآن — صفحة 253
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٣