ولعلها تعبير عن التكامل والنمو .
إن لدى الإنسان صفات فطرية متنوعة وهي بحاجة إلى التنمية والتزكية لتنتهي إلى البركة ، فهو يملك العلم والإرادة والصحة بالقوة - يعني أنه يملك إمكانية كل ذلك - والتربية هي التي تتعهد هذه الصفات بالتنمية والتزكية ، فإذا بإمكانية العلم تتحول إلى علم ، وإمكانية التعقل تتحول إلى عقل ، وإمكانية الصحة إلى سلامة ، وحسب التعبير الفلسفي يتحول الشيء من القوة إلى الفعل ، وذلك بحاجة إلى منهج متكامل هو رسالات الله التي تفجر طاقات الإنسان وتنميها وتوجهها ، لذلك تتكرر كلمة البركة في القرآن ، فالقرآن بركة ، والرسول بركة ، والبيت الحرام مبارك ، وهكذا .
وأول ما تلقى موسى عليه السلام من الوحي هو الإشارة بالبركة : أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وربما يقصد بمن في النار تجلِّي الله تعالى ، ومن حولها موسى .
أما عن منطلق البركة في حياة الإنسان فهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى ، لذلك يأتي النداء الآخر بعد ذكر البركة - وفيه تعبير عن التوحيد - فالله هو منشأ كل خير في عالم الطبيعة ، والإيمان بالله هو منشأ كل خير في عالم التشريع .
وبعد أن يشير السياق إلى الآيات التي تجلت على يد موسى عليه السلام يتناول قصة سليمان الذي ورث العلم والملك من داود ، فأصبح ملكا نبيا ، وذلك ليبين لنا فكرة هامة هي : إن الالتزام بالرسالة لا يعني تحمل المشاق والمتاعب فحسب وإنما أيضاً تؤدي بأصحابها إلى النصر والملك .
والقرآن الحكيم كثيرا ما يبين لنا أحكامه وأفكاره عبر الأمثلة التاريخية والقصص ، فبقصة يعقوب مع ولده يوسف عليه السلام يثير فينا عاطفة الأبوة ، وبقصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل - حين أراد ذبحه - يبين تحدي الإنسان لهذه العاطفة ، أما من قصة سليمان عليه السلام فإننا نستوحي أن الدنيا والآخرة يمكن أن يجتمعا على صعيد واحد ، فبإمكان الرسالي صياغة حياة ملؤها الفضيلة والتقوى ، ويجمع إليها القوة والنعم الدنيوية ، والقصة تفيد أيضا أن التفكير السليم يمكن من جمع الدنيا والآخرة ، حسب مستوى الإنسان وطموحه وقدراته ، ويستشف من القصة معنى البركة الذي جاء ذكره في أول الآيات ، فإنسان ما قد يصبح كسليمان نبيا ، يتلقى الوحي من الله سبحانه مباشرة ، وفي الوقت ذاته يكون ملكا بملك لا ينبغي لأحد من قبله ولا لأحد من بعده .
بينات من الآيات :
[ 7 ] لكي لا يستغرب أحد كيف يتلقى الرسول الوحي من لدن حكيم عليم ، ولكي يعرف المؤمنون مزيدا من خصائص الوحي وكيف يتلقاه الرسول ، وما هي ظروف التلقي !
من هدى القرآن — صفحة 252
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٥٢