إنما يبتدع الأفكار ابتداعا ، وهذا هو الإفك بذاته .
ثانياً : الخيال : الذي هو بدوره حركة ذاتية للقلب ، لا شأن لها بالواقع الخارجي ، إلا إنه أخف وطأة من الإفك .
ولعل السياق يشير إلى هاتين الطائفتين في فاتحة حديثه عن إيحاءات الشيطان ، يقول ربنا :
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ الشيطان كما يبدو من التدبر في سياق الآيات - التي ذكر فيها - هو كل غاو يغوي البشر ، سواء كان من الجن أو الإنس . قال تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ [ الأنعام : 112 ] . وجاء في آية كريمة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [ البقرة : 208 ] . وقال الله تعالى : وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ [ البقرة : 14 ] .
[ 222 ] تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ قال العلامة الطبرسي : ( الأفاك الكذاب ، وأصل الإفك القلب ، والأفاك الكثير القلب للخبر ، من جهة الصدق إلى جهة الكذب ، والأثيم : الفاعل للقبيح ، يقال : إنه يأثم إثما إذا ارتكب القبيح ) « 1 » .
[ 223 ] يُلْقُونَ السَّمْعَ أي يلقون الأفكار المسمومة في قلب الأفاكين الآثمين . وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ويبدو أن الأفاكين هم أئمة الكفر ، وقادة فئات الضلال ، وهم المغضوب عليهم ، الذين نسأل الله ألا يجعلنا منهم ، وهم الغاوون الذين يصفون العدل ولا يطبقونه ، وهم بالتالي صانعو القرار في معسكر المستكبرين .
إن مصدر أفكارهم أهواؤهم التي يعبدونها ، وانحرافهم وفسادهم إنما هو بوعي منهم ، وسابق إصرار ، والشياطين يوحون إلى هؤلاء لأنهم أولياؤهم .
جاء في الحديث المأثور عن الإمام الباقر عليه السلام :
« إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ يَوْمٍ ولَا لَيْلَةٍ إِلَّا وجَمِيعُ الْجِنِّ والشَّيَاطِينِ تَزُورُ أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ ويَزُورُ إِمَامَ الْهُدَى عَدَدُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ »
« 2 » .
وبالرغم من وجود بعض الصدق في أقوالهم إلا إن الصفة العامة لأحاديثهم هي الكذب .
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 7 ص 270 .
( 2 ) بحار الأنوار ج 60 ص 184 .