بحشد قواه التظاهر بالقوة لكي لا يفكر أحد بمعارضته ، فلربما كانت في مصر قوى معارضة أخرى تنتظر دورها في الثورة ضد فرعون ؟ .
من خلال السياق يبدو أن الاحتمال الأول هو الأقوى ، نعم مع كلا الاحتماليين أن المجتمع القبطي يخسر بخروج بني إسرائيل القوة البشرية العاملة ( السحرة ) مما يهدد اقتصادهم .
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ أي من يجمع له القوة العسكرية .
[ 54 ] فلما عبأ جيشه ماديا بدأ بتعبئتهم معنويا بالأساليب التالية :
أولًا : هون في نظرهم قوة المعارضة ، وقال : إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ فهم ليسوا قوة متماسكة ، وفي ذات الوقت فهم قليلون .
ولا ريب أن تهوين شأن العدو من أساليب التعبئة المعنوية ، والذي يقوم به أبدا الطغاة ضد المؤمنين الرساليين .
[ 55 ] ثانياً : بين سبب محاربته لبني إسرائيل . إذ إن الطغاة يبحثون أبدا عن تبرير لإشعال نار الحرب ضد معارضيهم ، فقال : وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ .
فقد أثاروا غيظنا ، بسبب تمردهم علينا ، وخروجهم عن ديننا ، ولأن بني إسرائيل استعاروا من قبل الحلي من أهل مصر ، وذهبوا به كما يقول المفسرون ، أو لأن خروجهم سيسبب خسائر اقتصادية كبيرة غير محتملة .
[ 56 ] ثالثاً : كشف فرعون لهم عن مدى استعداده لمقاومتهم ، وأنه يحذر غلبتهم بالرغم من قلة عددهم الآن .
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ أي نحن جميعا نستعد لمواجهتهم ، ولعله أراد بذلك إبعاد خوف الهزيمة عن جنوده بأنهم قد استعدوا جميعا لمقاومة هذا العدو ، وأن على كل فرد أن يقوم بدوره في مواجهة الخطر المحدق .
[ 57 ] رابعاً : طفق يبين خيرات بلاده ، التي يجب الدفاع عنها ، فقال : فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .
إنه زعم امتلاكه لكل مقومات الحضارة ، من زراعة تروى بالعيون مما تجعلها بعيدة عن الأخطار المحتملة ، ومن المعروف أن حضارة آل فرعون كانت زراعية ، وكانت متقدمة بالقياس إلى موازين تلك الحقبة القديمة ، وكان يعتز بها فرعون كثيرا ، ويعتقد بأنها دليل سلامة نهجه .
من هدى القرآن — صفحة 192
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٩٢