وكل أنبياء الله بشر يفقدون درجة من العلم والحكم قبل النبوة والرسالة ، وإنما يتميزون على سائر الناس بالوحي ، وليس بعنصر إلهي يتداخل فيهم ، والقرآن حافل ببيان هذه الحقيقة تصريحا أو بالإشارة ، وقد قال سبحانه : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ [ الكهف : 110 ] .
ودليل صدقهم أساسا هو أن الوحي يحدث تحولا فجائيا فيهم ، فبينما الرسول يلبث في قومه دهرا ، لا يدعوهم إلى شيء ، تراه يبعث إليهم برسالة متكاملة ، من المستحيل أن يكون قد ابتدعها من نفسه بين عشية وضحاها .
وهذا بخلاف العلماء والباحثين الذين تتكامل أفكارهم وبحوثهم يوما بعد يوم .
ولعل في قوله : إِذاً دلالة على أنه رد التهمة أساسا ، وأجابه : أنه إذا سلم بوجود نقص عنده - جدلا - فإنما هو الضلال ، وعدم الوحي .
وجاء في حديث مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام :
« إِنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ لِمُوسَى لَمَّا أَتَاهُ :
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ - لِي ، قالَ : مُوسَى - قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ
عَنِ الطَّرِيقِ بِوُقُوعِي إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِكَ . . »
« 1 » .
[ 21 ] وقد فر موسى عن مدائن فرعون خشية عنصريته ، التي كان يدين - بموجبها - أي واحد من بني إسرائيل بمجرد الصراع بينه وبين الأقباط .
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ والآية تدل على أن الفرار من الظلم فضيلة ، أو لا أقل لا بأس به .
ونستوحي أيضا من الآية : أن التمرد على قوانين الأنظمة غير الشرعية عمل شريف .
ولأن موسى نصر الحق ، ورفض الخضوع لنظام الطاغوت ، ولأنه توكل على الله ، وهاجر عن بلاد الكفر ، فإن الله أكرمه بالنبوة والرسالة .
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً إن حرف الفاء يوحي إلينا بأن هناك علاقة بين فراره من ظلم فرعون وبين الحكم الذي وهبه الله له ، ولعل الحكم هو العلم ، ولعله النبوة التي تسبق الرسالة وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ ونستوحي من كلمة وَجَعَلَنِي أن صاحب الرسالة هو الحاكم والخليفة في الأرض ، وأن هذا المنصب بحاجة إلى قرار وجعل وتنصيب .
[ 22 ] ورد موسى جدل فرعون إذ قال : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً : بأن استعبادك لبني
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 11 ، ص 81 .