ولابد أن يلتقيها في يوم من الأيام ، أما الإنسان الفاسد الذي لا يسير وفق سننه ، فإنه من الطبيعي أن يفترق مع مسيرة الكون ، وتكون بينهما هوة تتسع مع الزمن ، والذي يسير وفق برامج الحق لابد أن يلتقي مع الكون ، أما الذي يسير وفق أهوائه فإنه سوف يكون إما وبالًا على الكون فينشر فيه فساداً ، أو يكون الكون وبالًا عليه فيهلكه أو يدمره .
إن سنن الله في الكون تطبق شئنا أم أبينا ، وإن من يسير وفقها لابد أن يلتقي معها ، بينما الذي يسير ضدها لابد أن ينتهي ، وعنوان هذه السنن هو الصلاح ، وقد بني الكون على الصلاح ، والصالحون من عباد الله هم الذين يرثون الأرض ، لأنهم يطبقون سنن الله فيها .
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ ما هو الزبور والذكر ، ولماذا خصهما الرب بالذكر ، أو ليست هذه سنة إلهية نوهت بها رسالات الله جميعاً ؟ بلى ، ولذلك احتمل بعض المفسرين أن يكون الذكر هنا هو القرآن بينما الزبور كل ك - تاب هبط قبله ، فيكون إذن معنى مِنْ بَعْدِ الذكر ما يساوي قولنا بالإضافة إلى القرآن .
ولكننا نستظهر من لفظة الزبور نفس معناها عندما استخدمت في موردين ، وأريد بها كتاب داود .
بينما نستوحي من آية سابقة في هذه السورة : إن الذكر يطلق على التوراة ، ويبقى السؤال إذا بماذا اختصَّ داود عليه السلام من بعد موسى عليه السلام بهذه البشرى ؟ .
والجواب - كما يبدو لي - : إن الله أنقذ بني إسرائيل ، أولئك القوم المستضعفون من سلطة فرعون ، وعلى يد النبي موسى عليه السلام ، وأورثهم أرض الظالمين .
كما أعطى لداود حكماً وهيأ له أسباب القدرة ، فكان من المناسب أن يذكرهما ، بأن وراثة كل الأرض تكون للصالحين : أولًا لكي يكون ما تحقق فعلًا على عهدهما شاهداً على ما يتحقق في المستقبل جرياً على نهج القرآن في الارتقاء بالقارىء من الحقائق المشهودة الحاضرة ، إلى الغيب الأوسع مدى ، وثانياً ليعلم كل مؤمن بأن الله سوف يورث الأرض للصالحين من عباده كما فعل في عهد داود وموسى ، فيكون ذلك أملًا يبعثه إلى المزيد من النشاط ، وبصيرة كونية لمعرفة حركة الكائنات التي تنتهي إلى وراثة الأرض جميعاً .
هكذا نستوحي من الآية فكرتين :
أولًا : إن كل مجم - وعة مؤمنة تعبد الله بحق ، وتكون صالحة ، تستحق أن ترث أرضها .
ثانياً : إن كل الأرض سوف تسعد بحكومة عادلة ، إلهية ، وهذه هي التي نجدها فيما
من هدى القرآن — صفحة 340
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٠