سياسة الطاغوت
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً هذه الآية وآيات أخرى شبيهة تشير إلى أن الطغاة يؤطرون عملهم بإطار القدسية ، ويحاولون تضليل الناس وإيهامهم بأن ذلك هو من قبل الله سبحانه وتعالى ، ويربطون أنفسهم بطريقة ما بالله وبالمبادئ السامية . في هذه الآية يقول أصحاب الكهف : إن قومهم افتروا على الله الكذب ، فقالوا : إن الله هو الذي أمرنا بأن نعبد تلك الآلهة وهو بريء مما يدعون .
تأييد الل - ه
وأخيراً وصل أصحاب الكهف إلى نتيجة وقرروا أن يعتزلوا قومهم في البداية ثم يلتجئوا إلى الكهف ويطلبوا رحمة الله لينصرهم في حركتهم التغييرية الجذرية .
[ 16 ] وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ من الذي قال لهؤلاء الفتية إنهم إذا اعتزلوا الناس ، والتجؤوا إلى الكهف ، فانَّ الله سبحانه سينصرهم ؟ هل كان هناك رسول يبلغهم ؟ كلا . . وإنما كان ذلك من إلهام الفطرة ، انه حينما يكون عمله لله العزيز فان الله يريده وينصره .
التأييد الإلهي
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً أي أن الله سبحانه يهيئ لكم الوسائل لتطبيق برامجكم . صحيح أن الوسائل منقطعة والطرق مسدودة أمامكم الآن ، ولكن اعتزلوا الكفار والمشركين ، والتجؤوا إلى الكهف وانتظروا رحمة الله فهي آتية لا ريب ، وأنه سوف يهيئ لكم السبل الملائمة مادية ومعنوية .
وهكذا نستوحي من هذه الآية الكريمة أسلوباً للنهضة وهو : اعتزال الطغاة وعدم اتباعهم ، وانتظار رحمة الله ، فلا نكون مستعجلين للحصول على النتيجة ، وإنما علينا بالصبر وانتظار الفرج . وكانت الثورات الإلهية تبدأ هكذا عادة : يعتزل شخص أو مجموعة أشخاص ، ثم يلحق بهم الآخرون ، وتأتيهم الأموال والسلاح والرجال من حيث لم يحتسبوا ، وفي ذات الوقت يبدأ الحكم الطاغوتي بالضعف مع الزمن ، وتظهر فيه الثغرات فتتهيأ ظروف النصر .
من هدى القرآن — صفحة 29
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٩