[ 58 ] فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ ولعلَّ هذا القول يشبه مزايدات الأنظمة المستبدة في طرح شعارات الإصلاح والحرية ، وقد حاول فرعون إثارة حفيظة الجماهير ضد موسى ، شأنه شأن كل الطغاة الذين يحاولون خداع الجماهير ، فطلب من موسى تحديد موعد نهائي في مكان معين يجتمع فيه الناس فيتحدى السحرة آيات موسى .
فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوًى فبادر موسى عليه السلام وحدد ميعاد المواجهة حين قال :
[ 59 ] قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ يوم الزينة : يوم العيد ، ولكن لماذا يوم العيد بالذات ؟ لأنه في يوم العيد يتفرغ الناس من أعمالهم .
وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وحدَّد موسى عليه السلام وقت التحدي بالضحى ، لأن هذا الوقت يناسب الجميع ، فالنائم يكون قد استيقظ ، والبعيد وصل ، والإنسان يكون في أفضل حالاته الفكرية .
[ 60 ] فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى وأخذ فرعون يعد عدته ، ويجمع كيده ، ويلملم قواه .
[ 61 ] قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى لقد بادر موسى عليه السلام بإلقاء الحجة على السحرة قبل أن يتحداهم .
أولًا : لأنه رسول إليهم أيضاً ، وأول واجبات الرسول هو إنقاذ الناس بالموعظة وقد تبيَّن تأثيره لاحقاً .
ثانياً : هزَّ ضمائرهم ليلحق بهم هزيمة نفسية ، فكأنه قال لهم أيها السحرة ! يامن تخدمون النظام بعلمكم ، وتصبحون مرتزقة للظالمين من أجل لقمة خبز . . لا تفتروا على الله كذباً بادعائكم أني ساحر ، أو بتأليهكم فرعون وتكذيبكم رسالتي فإنكم إذا كنتم كذلك ، سيسحتكم الله بعذاب بئيس ، لأنَّ العلم نعمة من عند الله للإنسان يجب أن تشكر ، فإذا لم تشكر أصبح نقمة ، والسحت اقتلاع الشيء من جذوره ، وإذا قلعت الشجرة من جذورها ، يقال سحتها .
[ 62 ] فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ بين مصدق ومكذب فعلًا بأن الصدق في دعوى الكليم عليه السلام . إن السحرة كانوا نخبة المجتمع المثقفة ، وبقايا من المعارف التي بلغها نبي الله يوسف عليه السلام ، كانت ولا تزال لدى النخبة سواء السحرة أو بيت فرعون نفسه .
ومن جهة أخرى السحرة هم خير من يميز حقيقة السحر ، فيبدوا ارهاصات انكشاف
من هدى القرآن — صفحة 218
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١٨