يغيب عن قومه .
[ 32 ] وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي أي يتحمل جزءاً من مسؤولياته حتى عند وجوده .
[ 33 ] كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً التسبيح هو تنزيه الله كما جاء في الحديث : أنه سئل الإمام أبو عبد الله عن معنى سبحان الله ؟ فقال : تنزيهه « 1 » .
[ 34 ] وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً ولا يعني ذكر الله مجرد تحريك اللسان ، بل جعل الله مراقباً في السر والعلن ، ويدل على ذلك الحديث الشريف : قال أبو عبد الله عليه السلام :
[ مَا ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُ بِشَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ يُحْرَمُهَا
. قِيلَ : ومَا هِيَ ؟ . قَالَ عليه السلام :
المُوَاسَاةُ فِي ذَاتِ يَدِهِ ، والْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ ، وذِكْرُ الله كَثِيراً . أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ : سُبْحَانَ الله والْحَمْدُ لله ولَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ ، ولَكِنْ ذِكْرَ الله عِنْدَمَا أَحَلَّ لَهُ وعِنْدَ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ ]
« 2 » .
[ 35 ] إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيراً بأعمالنا وتصرفاتنا ، ولعلَّ هذه الآيات توحي بأن هدف موسى وهارون لم يكن السيطرة بل تطبيق واجبات الرسالة .
ونتساءل : ما الذي دعا موسى عليه السلام إلى أن يطلب من الرب وزيراً كهارون عليه السلام ؟ الجواب : أن موسى عليه السلام عرف منذ البدء أبعاد الرسالة التي سوف يحملها ، والصعاب التي تعترضه في سبيل تبليغها ، والضعف الذي اعترى قومه من بني إسرائيل نتيجة الاستعباد مدة طويلة ، والقوة التي طغى بها أعداؤهم من الأقباط بقيادة فرعون .
وكان يشعر - لذلك - بالحاجة إلى من يسند ظهره ، ويطبق واجبات الرسالة بلا تردد ، فيكون إماماً في الطاعة ، وقدوة في تنفيذ أوامر القيادة ، فلم يجد أفضل من أخيه هارون .
وهكذا كل صاحب دعوة بحاجة إلى شخصية تتجلى فيه رسالته ويكون مثلًا أعلى لها ، كما كان هارون لموسى ، وآصف بن برخيا الذي أوتي علماً من الكتاب لسليمان ، ويحيى لعيسى ابن مريم ، وكما كان علي بن أبي طالب عليه السّلام للنبي محمد صلى الله عليه وآله ، وهكذا نجد الرسول يكرر :
[ إِنَّمَا أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ]
. ولقد حدثت واقعة تاريخية : أظهرت الحاجة إلى ذلك . حيث إن النبي لما أراد الخروج
هامش
( 1 ) معاني الأخبار : ص 9 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ص 145 .