تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦

بين يدي يوسف

[ 88 ] وقام إخوة يوسف عليه السلام بشد الرحال إلى مصر يحدوهم أمل جديد لإنهاء مشكلة والدهم ، وقد بلغت الضراء بالنسبة إليهم حدا لا يطاق ، فدخلوا على يوسف في حالة يرثى لها إذ جاؤوا ببضاعة قليلة رديئة لا تساوي قدرا يذكر من الطعام ، وطلبوا منه أن يتقبلها منهم على أساس أنها كاملة صالحة فيعطيهم من الطعام ما يعوض ضرهم . كما طلبوا منه أن يتصدق عليهم بإطلاق سراح أخيهم . طلبا لجزاء الله الذي أعده للمتصدقين ( فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ) أصل الكلمة الدفع قليلًا قليلًا . وسميت البضاعة اليسيرة والناقصة بالمزجاة لأن التجار يدفعونها عنهم ( فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ) الصدقة أصلها من تصديق وعد الله . [ 89 ] لقد تحطم غرور إخوة يوسف عليه السلام على صخرة الواقع فهاهم يجأرون إلى عزيز مصر لكي يرحمهم ، ويطلبون منه التصدق عليهم . والجوع ، ومشكلة والدهم ، وهاجس الذنب يقض مضاجعهم ، وكان الوقت إذن مناسبا ليكشف يوسف عن لغز القصة . فبادرهم بسؤال مفاجئ . ( قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ ) ففي أيام جهلكم وصغر سنكم وكبر غروركم . ألقيتم يوسف أخاكم البرئ في غيابت الجب . واستصغرتم أخاكم الثاني ، ثم تركتموه عبدا عند الغرباء بعد أن أثبتم عليه تهمة السرقة واتهمتم أخاه يوسف بها ، والآن تطالبونني بالتصدق وتزعمون أن الله يجزي المتصدقين ؟ الآن عرفتم هذه الحقيقة . أم لأنها في مصلحتكم توسلتم بها ؟ .

وحل اللغز

[ 90 ] كان واضحا أن تقريع العزيز لم يكن عبثا ، وإنما كان يتناسب مع شعورهم الداخلي لأن مشاكلهم إنما هي بسبب ما فعلوه بأخيهم يوسف . . وهنا أدركهم روح الله الذي طلبوه بإرشاد والدهم يعقوب ، فعرفوا بلغته الذكية إن الذي يخاطبهم هو يوسف ذاته . ( قَالُوا أَئِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ ) قالوا بلحن السؤال الملئ بالتعجب والشوق إلى الجواب ( قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ) ولم ينسَ يوسف أن يذكرهم بعبرة الحياة ويقول : ( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) أي أن من يقاوم ضغوط الشهوات ، ويقاوم الحسد والحقد ، ويبقَ مستقيما على تقواه . صابرا على
من هدى القرآن — صفحة 156 | السيد محمد تقي المدرسي