ويبدأ القرآن حديثه بالنهي عن علاقة الشرك ، التي تعني التسليم المطلق ، والأمر - بديلًا عنه - بعلاقة الإحسان فما هي هذه العلاقة ؟ .
إنها علاقة العطاء من اليد العليا ، لا العطاء وأنت صاغر مكره ، والفارق بينهما : أنك في حالة العطاء باليد العليا لم تفقد شخصيتك ، ولم تتنازل عن عقلك وإرادتك واستقلالك وحريتك ، أما في الصورة الثانية فإنك قد هبطت إلى درك العبودية .
إن الذين يطيعون آباءهم بعلة أنهم آباؤهم - سواء كان هؤلاء مهتدين أو ضالين - لا يعقلون شيئاً ، وهؤلاء ينطلقون في عبادتهم من الضعف والهزيمة ، وبالتالي يفقدون صفة الإنسان ، ويتحولون إلى آلة صماء تتحرك بلا إرادة .
أما الذين يحسنون لآبائهم دون أن يطيعوهم طاعة عمياء ، وينفقون عليهم دون أن يتنازلوا عن حريتهم ، فهم ينطلقون من موقع القوة ، ويحققون أصالتهم ، ويثبتون حريتهم واستقلالهم بذلك .
من هنا جاءت الكلمة الأولى في هذه الآية تقارن بين العبادة والإحسان فقالت : * وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً فالعبادة لله والطاعة له ، وللوالدين وسائر أبناء المجتمع الإحسان .
وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ذوو القربى هم رحمك الذين تشترك معهم في الأسرة أو العشيرة الواحدة ، فعليك أن تحسن إليهم سواء كانوا أغنياء أو فقراء ولكن دون أن تعبدهم ، وهذا يعني أنه لا يجوز لك أن تربط مصيرك بمصيرهم دون استقلال فكري لأنه جاهلية وشرك ، ودون أن تخالف النظام الإسلامي في تأييدك للأقارب ، ولا أن تنصرهم ضد المظلومين ، وتجادل عنهم في الباطل ، كما يفعل الجاهليون الجدد اليوم في مجتمعاتنا الفاسدة .
إن النظام العشائري مسموح به في المجتمع الإسلامي ، بشرط أن يكون إطاراً للتعاون البَنَّاء ، والتفاعل الفكري والاجتماعي ، دون أن يكون وسيلة للعصبية ، وسحق حقوق الناس ، وتجاوز قيم الرسالة .
وبعد الأقارب يأتي اليتيم ، وعلى أبناء المجتمع ألا يحسبوا اليتيم فقيراً أو مسكيناً يحتاج إلى دعمهم المادي فحسب ، بل عليهم أن يغدقوا عليه من حنانهم كما لو كان قريباً من أقاربهم ، ولذلك فصله القرآن عن المساكين .
وفي المرحلة الثالثة يأتي المسكين وهو الذي أسكنه الفقر ، ويجب أن تكون علاقتك
من هدى القرآن — صفحة 54
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٥٤