التنظيم الهرمي في جهاز الطغاة
[ 123 ] العامل الثاني للكفر هو وجود ماكرين في المجتمع والمكر هو : التخطيط من أجل تضليل الناس بهدف وصول جماعة أو فرد لمصالحهم الشخصية ، وفي المجتمعات توجد دائماً شبكة من المجرمين تجمعهم قيادة واحدة تعمل ضد مصلحة الأمة . هذه الشبكة هي التي تشكل واقع السلطة الطاغوتية ، وهي تنشأ من فرد أو عدة أفراد زين الشيطان لهم ما كانوا يعملون من سيئات ، ثم نظموا أنفسهم في سلسلة هرمية على رأسها أكبر المجرمين .
وَكَذَلِكَ ربما الإشارة توحي بآخر الآية السابقة ، أو بها جميعاً ، أي لأن هنا جماعة تستحب العمى على الهدى ، فقد تشكلت منظمة في كل قرية للمجرمين .
جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وقيادة هذه المنظمة الماكرة إنما هي لأكبرهم إجراماً ، فالقيمة بينهم هي قيمة الإجرام ، والهدف لها هو المكر والتخطيط ضد الجماهير .
وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ إن الماكرين حين يخططون ضد الناس ، فإما يأخذ الناس منهم موقفاً مضاداً ويقضون عليهم فيكون جزاؤهم خزياً وعذاباً أليماً ، وإما تسترخي الجماهير ، فينزل عليها وعليهم عذاب الله فيدمرهم جميعاً ، إذن فعاقبة المكر تعود على صاحبه إما وحده أو مع الآخرين .
والآية هذه تفضح طبيعة السلطة الطاغوتية ، وتبين أنها ليست سوى تجمع للمجرمين ، وأن قوتها تكمن في خططها الماكرة ، وأن قيادتها متمثلة في المجرم الأكبر ، وأن الأمة لو عرفت هذه الطبيعة للسلطة الطاغوتية ، إذن لتخلصت منها ، إذ أن المجرم لو كشف مكره جرد منه سلاحه وسهل القضاء عليه .
[ 124 ] من مكر هذه الفئة السالفة الذكر أنها تتعالى عن الحق ، بعد أن تضع على نفسها هالة من القداسة الباطلة ، وتنشر بين البسطاء هذه الفكرة الرعناء : لو كانت الرسالة صحيحة ، إذا لم يكن ربنا يختار لها إلا واحداً منا نحن الكبار ، ولم يكن يفضل علينا واحداً من عامة الناس وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ولكن الله يدحض حجتهم بقوله : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ يجعلها في أيد نظيفة ، وجيوب طاهرة نقية ، وقلوب زكية ، ورجال مخلصين ، وليس في أيدي هذه الفئة التي سرقت أموال الناس ، وصنعت مجدها على أجسادهم ، ثم يهددهم الله بالقول : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ بسبب تكبرهم وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ .
من هدى القرآن — صفحة 417
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤١٧