وهابيل لم يكن يصدق أن قابيل قاتله ، بل ربما كان يظن أن كلامه كان مجرد تهديد أو لا أقل كان يحتمل ذلك ، وقد قتل غيلة .
[ 29 ] ثم قال هابيل الذي لم يشأ أن يصبح المجرم . حتى ولو كان ذلك يؤدي به إلى أن يصبح الضحية : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ حيث أن القاتل بغير حق سيتحمل أوزار القتيل يوم القيامة ، بينما يغفر الله للقتيل ذنوبه رحمة به .
فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ حيث يتضاعف إثمهم بسبب ظلمهم للناس .
[ 30 ] النفس الأمارة بالسوء تُهوِّن في عين الإنسان الجرائم الكبيرة إرضاء للشهوات العاجلة ، وقابيل كان يستعظم في البدء الاعتداء على حياة أخيه ، حيث أودع الله في فطرة الإنسان احترام الحياة وتكريم الآخرين ، بيد أن نفسه طوعت له ، وذللت هذه الجريمة .
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ خسر فطرته النقية ، وخسر أخاه الكريم ، وخسر حياته الهادئة ، وخسر مستقبله في الآخرة .
[ 31 ] قتل أخاه وتورط في الأمر ، ماذا يفعل بجسد أخيه . . بهذه العلامة الواضحة لجريمته ؟ ! . وهنا بعث الله غُراباً ، يثير الأرض بمنقاره فانهار كبرياء قابيل الكاذب ، وتهاوى صرح غروره ، وعادت إليه فطرته ، وقد خمدت جذوة الغضب السابقة التي كانت قد حجبت عنه عقله ، وقال لنفسه : كم أنا عاجز وكم كنت مغروراً بنفسي فهذا الغراب عرَّفني كيف أدفن جسد أخي ! فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ .
[ 32 ] أرأيت كيف قضى قابيل على حياة أخيه ، وكيف ندم على فعلته دون أن ينفعه الندم ؟ ، أرأيت كم هي عظيمة ومؤلمة جريمة القتل ؟ ، لذلك احترمت الشرائع السماوية حياة الإنسان وجعلت حياة كل فرد مساوية لحياة الناس جميعا . مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ حيث يجوز القتل قصاصاً أو لمنع الفساد كما يُبينه الدرس القادم ، أما في غير ذلك فإن قتل نفس واحدة ، تكون بمثابة قتل النفوس جميعاً فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً إن احترام الحياة عند الشرائع السماوية والإسلام بالذات ، لا تعود إلى حياة هذا الشخص أو ذاك ، بل إلى الحياة كحياة أيًّا كانت خصائصها وميزاتها ، لا فرق بين الطفل الرضيع ، ورئيس البلاد ، أو بين المؤمن الصالح أو الإنسان العادي ، أو بين عدوي وصديقي ، المهم أن
من هدى القرآن — صفحة 217
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١٧