فهو مجتمع مبدئي ، وحين نقول : ( مجتمعاً مبدئيًّا ) فإننا نتصور شرطين أساسين هما :
الف : أنه لا يؤمن بالفوضى في أي حقل من حقول المجتمع ، بل يؤمن بالتنظيم في كافة الأبعاد الخاصة والعامة .
باء : أنه ينطلق في تنظيمه من بصائر سماوية ليست فيها تحديدات قومية أو إقليمية أو عنصرية أو غيرها . . لأن السماء هي التي أوحت بهذه البصائر .
من هنا جاءت الكلمة الأولى في هذه السورة نداء إلى الناس : أن يتقوا الله ليبنوا على أساسه مجتمعهم الفاضل يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ .
ومعروف أن الخطاب للناس الواقعيين الذين يتحركون في أرض الواقع ، وليس الخطاب إلى الإنسان أو البشر كصفات تجريدية ، أن هذا الخطاب تعبير عن روح الواقعية في الرؤية الإسلامية ، وبالتالي روح توجيه الحياة مباشرة ، ومن دون الالتفاف حولها بمسائل نظرية .
والسؤال هو : لماذا قال الله رَبَّكُمْ ؟ .
الجواب : إن كلمة الرب تدل على معنى التربية فهي أقرب إلى التشريع الذي يأمر الله عباده باتباعه ، لذلك ترى أن القرآن ، لا يكتفي بكلمة رب ، بل يضيف قائلا : الَّذِي خَلَقَكُمْ ليذكرنا بأن الله الذي رباكم من بعد أن خلقكم ، أجدر أن يتبع الناس تشريعه ويتقونه في حياتهم .
التوحيد منطلق التشريع
والميزة الأساسية في تشريع السماء ، انطلاقة من مبدأ التوحيد ، والذي يعني فيما يعني الارتفاع فوق كل الحواجز المصطنعة بين الناس ، إننا نفهم اليوم وبعد أن اكتشفنا أن أكثر الويلات التي أصابت البشرية ولا تزال تصيبها حتى اليوم آتية من هذه الحواجز ( العنصريات ، القوميات ، الإقليميات ، الطبقيات و . . . و . . . وهكذا ) ، نحن نعرف أنها هي العقبات الحقيقية في طريق الإنسان إلى السعادة والتقدم .
ولذلك يركز القرآن على أن الله خلق الناس جميعاً من نفس واحدة ويقول : الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيراً وَنِسَاءً .
النساء كالرجال
والسؤال : كيف خلق الله زوج الإنسان من نفسه ؟ وهل يعني هذا أن الإنسان الأول
من هدى القرآن — صفحة 14
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤