أحد ، وأنّه الهادي لا هادي سواه ، كل تلك الإثارات تترى في القرآن تذكرة للبشر .
وصفوة القول ؛ إنَّ الهدف من تصريف الأمثلة في القران ، إنّما هو التذكرة : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً « 1 » .
والتصريف يأتي بمعنى التفريق والتفصيل في الآيات وقراءتها على مكث . ولعل أحد معاني التصريف هو بيان المَثَل الحَسَن مقابل الأمثال التي يضربها الناس ، فكلما ضرب الناس مثلًا أو أشاعوا قيمةً وثقافةً ، بيّن الله المَثَل الأحْسَنَ في تلك الموضوعة التي يبين الناس فيها أمثالهم . وقد قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه : وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً « 2 » .
آفاق التذكرة
وأصل كل الحقائق هي تلك الحقيقة الكبرى ؛ حقيقة الألوهية وخالقية الله تعالى لهذا العالم ، وأنَّ بيده ملكوت السماوات والأرض ، هذه الحقيقة يعرفها الإنسان بأدنى تذكرة ، وهي أول كل علم . يقول الله تعالى : قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ « 3 » .
وتفيض من هذه الحقيقة شلّالات المعرفة فالمعارف الإلهية ينبوع أصول الشريعة ، وهي مُودَعةٌ في فطرة البشر أو عقله ، فمن عرف الله بأسمائه الحسنى عرف سنن الله ووصاياه ، وبالتالي عرف تلك الأصول وأنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وألّا يقرب أحد مال اليتيم إلّا بالتي هي أحسن ، كما يأمر بالقسط في المكيال والميزان ، والعدل في القول ، والوفاء بالعهد ، وهكذا سائر بصائر الكتاب وآياته وبيِّناته .
والقرآن الكريم يذكِّرنا بتلك القيم ويهدينا إلى ضرورة الارتفاع إلى مستوى وعيها والتذكرة بها ، لكي يفقه كل إنسان أبعاد تلك القيم ، ولا يتّبعها تقليدا للآخرين ، وإنّما بوعي منه واستيعاب لحقائقها . يقول الله تعالى : * إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ « 4 » .
هامش
( 1 ) الاسراء : 41 .
( 2 ) الفرقان : 33 .
( 3 ) المؤمنون : 85 84 .
( 4 ) النحل : 90 .