ثمّ ردّ الكلام إلى الروايات التي قد يستظهر منها وجوب اختيار القتل ، ثمّ تساءل : هل يستفاد منها الوجوب أم لا ؟
ثمّ اختار عدم استفادة الوجوب منها ، واستشهد لذلك برواية عبداللَّه بن عطاء المتقدّمة التي دلّت على جواز فعل الرجلين الذين طُلب منهما البراءة ، فبرأ أحدهما ونجا ، وقُتل الآخر الذي لم يبرأ .
وكذا بالنسبة إلى فعل ميثم - في رواية محمّد بن مروان - حيث قال عليه السلام : « ما منع ميثم رحمه الله من التقيّة ؟ فواللَّه لقد علم أنّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه » .
فالرواية بقرينة الآية وقضيّة عمّار دالّة على ترخيص التقيّة وعدم لزومها .
ثمّ قال في نهاية المطاف : « ويحتمل أن يكون الوجه في اختيار ميثم القتل على التقيّة هو علمه بانتفاء موضوع التقيّة في حقّه ؛ لأنّه كان يقتل على كلِّ حال ، لمعروفيّته بالولاية واشتهاره بالتشيّع والإخلاص لأمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه » « 1 » .
ثانياً - طريق الإمام الخميني لعلاج التعارض :
قدّم الإمام الخميني الروايات المرخّصة للتقيّة ومن جملتها رواية مسعدة المشتملة على تكذيب ما نُسب إلى الإمام علي عليه السلام من النهي عن البراءة عنه ، فرجّحها على الروايات التي نقلت نهيه عليه السلام عن البراءة .
ووجه التقديم أمران :
الأوّل - أنّ الروايات المرخّصة للتقيّة معتضدة ب :
1 - قوله تعالى : « وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ » « 2 » .
2 - وحكم العقل بلزوم حفظ النفس واهتمام الشارع به .
3 - ويمكن أن يضاف إلى ذلك « 3 » : عمومات وإطلاقات التقيّة التي دلّت بإطلاقها وعمومها على أنّ التقيّة في كلّ ضرورة .
الثاني - أنّ الروايات المرخِّصة أتمّ سنداً من الروايات الأُخرى غير المرخّصة ، فإنَّ أغلبها ضعاف .
مضافاً إلى ذلك كلِّه : أنّ السبّ والشتم واللعن قد يكون أشدّ وأعظم من صِرف التلفّظ بالبراءة .
كما أنّا نقطع بعدم رضا الشارع بمدّ الأعناق في مقابل البراءة .
ثمّ ذكر التوجيه الذي ذكره السيّد الخوئي بالنسبة إلى ميثم « 4 » .
هامش
( 1 ) التنقيح ( الطهارة ) 4 : 261 - 265 .
( 2 ) البقرة : 195 .
( 3 ) لم يرد ذلك في كلام الإمام الخميني وإنّما ذكرناه تقوية له .
( 4 ) الرسائل ( للإمام الخميني ) 2 : 184 .