كما قال الغزالي نفسه .
ومن هنا قالوا باستحالة تقييد الأحكام بخصوص العالمين بها .
ولا فرق بين العلم والظنّ من هذه الجهة ، فلا يمكن تقييد الأحكام بخصوص الظانّين بها للسبب المتقدّم نفسه .
وممّا يرد على كلام الغزالي أيضا هو أنّه بقوله : « أمّا المسائل التي لا نصّ فيها فيعلم أنّه لا حكم فيها ؛ لأنّ حكم اللّه خطابه » قد خلط بين مرحلة التشريع ومرحلة التبليغ ، فإنّ الحكم إنّما يتحقّق في مرحلة التشريع ، والخطاب مبيّن لمرحلة التبليغ ، فالخطاب ليس جعلا ، بل هو مبرز للمجعول « 1 » .
2 - السببيّة على التفسير المعتزلي :
وهذا التفسير مبتن على فرض وجود أحكام واقعية ، لكنّها مقيّدة بعدم قيام أمارة على خلافها ، وإلّا فلو قامت سوف يكون مؤدّاها هو الحكم المتوجّه إلى المكلّف .
أشار الغزالي إلى هذا التفسير بقوله :
« . . . وذهب قوم من المصوّبة إلى أنّ فيه حكما معيّنا يتوجّه إليه الطلب ، إذ لا بدّ للطلب من مطلوب ، لكن لم يكلّف المجتهد إصابته ، فلذلك كان مصيبا وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن الذي لم يؤمر باصإبته ، بمعنى أنّه أدّى ما كلّف فأصاب ما عليه » « 1 » .
ووجّهت هذه الإصابة : بأنّ الأمارة عندما تقوم على حكم توجد في متعلّق هذا الحكم مصلحة مزاحمة لمصلحة الواقع ، أو مفسدة كذلك ، وتتغلّب عليها على نحو يرتفع حكم المصلحة الواقعية بسبب المزاحمة بين المصلحتين ، ويبقى الحكم الحاصل بسبب الأمارة ، ويكون مفاد الحجّية المجعولة للأمارة هو اعتبارها سببا في تبديل الواقع ، المستلزم لتبدّل الحكم تبعا له « 2 » .
مناقشة هذا التفسير :
ناقش الأصوليون من أصحابنا السببيّة المعتزليّة بأنّها قد تؤدّي إلى خلوّ الواقعة من الحكم ، وبيان ذلك :
لو قامت الأمارة على وجوب صلاة الجمعة ، وكان الواجب واقعا هو الظهر ، فبناء على التفسير المعتزلي للسببيّة يرتفع الحكم الواقعي - وهو وجوب الظهر - بالنسبة إلى هذا الشخص ، ويبقى ما دلّت عليه الأمارة وهو وجوب الجمعة .
ثمّ لو تبيّن عدم صحّة الأمارة ، فيرتفع الحكم الحاصل من الأمارة أيضا ، فيبقى هذا المكلّف بلا حكم بالنسبة إلى الصلاة في ظهر الجمعة .
وخلوّ الواقعة من الحكم بالنسبة إلى الجاهل
هامش
( 1 ) الأصول العامّة للفقه المقارن : 617 - 621 .
1 المستصفى للغزالي 2 : 363 .
2 الأصول العامّة للفقه المقارن : 622 .