وأمّا منشؤه في الحكم الجزئي ، فيكون اشتباه الأمور الخارجيّة .
فمجموع الصور في دوران الأمر بين الحرمة وسائر الأحكام غير الوجوب أربعة .
2 - الشكّ في الوجوب بمعنى دوران الأمر بين الوجوب وغير الحرمة من سائر الأحكام .
وتأتي فيه الصور المتقدّمة .
ويكون مجموع مسائل البراءة ثماني .
وأمّا دوران الأمر بين الوجوب والحرمة فمورده أصالة الاشتغال ، كما تقدّم الكلام عنه في العنوانين « احتياط » و « اشتغال » .
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري قدّم البحث عن الشبهة الحكميّة التحريميّة ؛ لأنّها المختلف فيها بين الأصوليّين والأخباريّين حيث ذهب الأصوليّون إلى جريان البراءة فيها ، في حين ذهب الأخباريّون إلى لزوم الاحتياط « 1 » .
وأمّا صاحب الكفاية فقد استدلّ على البراءة في جميع الصور والحالات باستدلال واحد ، وتجنّب التشقيقات التي ذكرها الشيخ الأنصاري .
وسائر الأصوليّين بين هاتين الطريقتين .
ونحن نقتفي أثر صاحب الكفاية ؛ لأنّه أوفق بعملنا .
قال في الكفاية : « لو شكّ في وجوب شيء أو حرمته ولم تنهض عليه حجّة ، جاز شرعا وعقلا ترك الأوّل وفعل الثاني ، وكان مأمونا من عقوبة مخالفته . . . » « 1 » .
ثمّ استدلّ على الجواز - أي البراءة من التكليف - بالأدلّة الأربعة : الكتاب والسنّة والإجماع والعقل .
فما دلّ عليه الكتاب والسنّة والإجماع فهو البراءة الشرعيّة ، وما دلّ عليه العقل فهو البراءة العقليّة .
ونحن نقدّم الكلام عن البراءة العقليّة وإن ذكرها الأغلب بعد البراءة الشرعيّة .
أوّلا - البراءة العقليّة
وهي - كما علم ممّا تقدّم - : حكم العقل ببراءة ذمّة الإنسان من التكليف عند الشكّ فيه ، حتّى يثبت بدليل .
ومستندها القاعدة العقليّة المعروفة ، وهي : « قبح العقاب بلا بيان واصل » .
والبحث عن القاعدة يتمّ في جهات :
الأولى - في الاستدلال على تماميّة القاعدة في حدّ ذاتها .
الثانية - في ملاحظتها مع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل .
الثالثة - في ملاحظتها مع قاعدة حقّ الطاعة .
الرابعة - في ملاحظتها مع أدلّة الاحتياط لو تمّت .
هامش
( 1 ) انظر فرائد الأصول 2 : 17 - 18 و 20 .
1 كفاية الأصول : 338 .