نُكراً ، فالوجه فيه : إنّ طبعك قد اعتاد المشهورات ، وانقاد المسلّمات ، واستصعب عليه الإمعان في البرهان ، وتحصيل الإيمان بالإيقان ؛ ولا سيّما إذا أدّى ذلك إلى مخالفة ما رسخ فيه على طول الزّمان . ولو أنّك أخرجت رقبتك عن رِبْقَة « 1 » الاعتياد ، وفككت جِيْدك « 2 » من قلادة التّقليد والقياد لصار ما رأيتَه نُكراً عُرفاً ، وما حسبتَه صعباً ذلولًا .
« فمن يك ذا فم مُرٍّ مريض * يجد مُرّاً به الماء الزّلالا »
وبعد ؛ فإنّي أنبأتك « 3 » أوّلًا : أنّ هذه الرّسالة ليست إلى « ما سَمِعْنائيّين » « 4 » ولا إلى « إنّا وجدنائيّين » ، وقد أعذر من أنذر .
وأمّا قولك : إنّي خالفتُ طائفة من مشاهير الفقهاء ؛
ففيه : أنّ أوّل من فعل ذلك ، أولئك ؛ فإنّهم خالفوا طريقة القدماء الأخباريّين ، وغيّروا سنّة أجلّة الفقهاء المعتبرين ، وعدلوا من الأخبار إلى الأصول ، وارتكبوا الفضول ؛ ونحن نريد إحياء تلك الطّريقة القويمة ، وتجديد تلك السّنّة القديمة ؛ لأنّها الحقّ الّذي لا ريب فيه ، والمتيقّن الّذي لا شبهة تعتريه ؛ والحقّ أحقّ أن يتّبع ، وأحرى أن يستتبع .
على ، أنّ القدماء أجلّ شأناً ، وأرفع مكاناً ، وإلى الأئمّة أقرب زماناً من
هامش
( 1 ) - الرَّبقة والرِّبقة : العروة في الحبل .
( 2 ) - الجِيْد - بالكسر - العنق .
( 3 ) - م : أنبّئك .
( 4 ) - إشارة إلى قول من قال :« ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ »، ولا قول من قال :« إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ »( كذا في هامش نسخة « ساء » ) ؛ كما صرّح به المصنّف في مقدّمة هذه الرّسالة .