اتّفاقهم على ذلك ، الّذين ترى أحدهم ينصب نفسه قاضياً ضامناً لتلخيص ما التبس على غيره مع أنّ مقتداه الميّت غير ملي بإصدار ما ورد عليه ، ولا عاضّ « 1 » على العلم بضِرس قاطع ، فكيف بهذا المسكين المقتفي أثره ؟ ! فما أبعدهم عن الحقّ ! وما أسحقهم عن الإصابة !
وأعجب من ذلك أنّهم يشترطون الحياة فيمن يجوز تقليده ومع ذلك لا يقلّدون إلّا الأموات ، ويجحدون اجتهاد الأحياء وعدالتهم ما داموا أحياء منافسة وحسداً حتّى إذا ماتوا صارت أقاويلهم معتبرة عندهم ، وكتبهم معتمداً عليها لديهم لزوال العلّة . أيتغافلون بعد موتهم عمّا عدّوه من عيوبهم ، أم
« يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ
« 2 »
»
أم لا يميّزون بين الحقّ والباطل ، والحالي والعاطل ، لكَلال بصائرهم « 3 » واعتلال ضمايرهم ؟ ! فيستوي عندهم الصّدق والزّور ، والظّلمات والنّور .
وليت شعري ! أيّ مدخل في بطلان الفتيا ، أو إصابة الآراء ؟ ! وهل الحقّ إلّا واحد ، ومخالفه إلّا جاحد ؟ !
ثمّ ، إنّ أقاويل الأموات - كما دريتَ - مختلفة غاية الاختلاف ، وفتاويهم في كتبهم متناقضة كمال التَّناقض ، بل الكتاب الواحد لمجتهد واحد في مسألة واحدة مختلف في الفتوى بحسب أبوابه ومباحثه ، وهذه الاختلافاف تزايد « 4 » يوماً فيوماً إلى ما شاء اللَّه عزّوجلّ انقراضها .
والمقلّدة وإن كانوا يقولون في الأكثر على القول الأشهر ، إلّا أنّ هذه الشّهرة
هامش
( 1 ) - عَضَّه : أمسكه بأسنانه ، يقال ايضاً : « عضّ به وعضّ عليه » ؛ عضّ الشّيء : لزمه واستمسك .
( 2 ) - الفتح / 11 .
( 3 ) - كَلَّ كَلالًا اللسانُ أو البصرُ : لم يحقِّق المنطوقَ أو المنظورَ .
( 4 ) - ح : تتزايد .