فقال عمر : من هذه يا عبد اللّه التي وهبت لها حجك ؟ فقال : امرأتي يا أمير المؤمنين وإنها حمقاء مرغامة ، أكول قمامة ، لا يبقى لها خامة . قال له : مالك لا تطلقها ؟ قال :
إنها حسناء لا تفرك « 1 » وأم صبيان لا تترك ، فقال له : فشأنك بها ، فلم ينكر رضى اللّه عنه حتى استخبره .
وقال الماوردي : حكى إبراهيم النخعي : أن عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه نهى الرجال أن يطوفوا مع النساء ، فرأى رجلا يصلى مع النساء ، فضربه بالدرة .
فقال الرجل : واللّه إن كنت أحسنت لقد ظلمتنى ، وإن كنت أسأت فما علمتني .
فقال عمر : أما شهدت عزمتى ؟ فقال : ما شهدت لك عزمة . فألقى إليه الدرّة . وقال له : اقتص . قال : لا أقتص منك اليوم ، قال : فاعف عنى ، قال : لا أعفو ، فافترقا على ذلك ، ثم لقيه من الغد فتغير لون عمر . فقال له الرجل : يا أمير المؤمنين كأني أرى ما كان منى قد أسرع فيك ؟ قال : أجل . قال : فاشهد . إني قد عفوت عنك « 2 » .
وروى عن علي بن أبي طالب ، أنه أقام الحد على رجل فقال : قتلتني يا أمير المؤمنين فقال له : الحق قتلك ، قال : فارحمني ، قال : الذي أوجب عليك الحد أرحم بك منى ، ومن شأنه ألا يثرب في شيء إلا بعد أن ينهى عنه ، ويتقدم فيه ، ولا ينكر على أحد إلا بعد أن يحقق ما هو ، قال اللّه تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
« 3 » وقال الإمام ابن القيم رحمه اللّه في كتاب الطرق الحكمية « 4 » ( ص 62 ) قال أبو نعيم :
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، قال سمعت عبد الملك بن عميرة يقول : إن عليّا كان إذا جاءه الرجل بغريمه قال : لي عليه كذا ، يقول : اقضه . فيقول : ما عندي ما أقضيه .
فيقول غريمه : إنه كاذب وانه غيب ماله - ، فيقول : هلم بينة على ماله يقضى لك عليه ، انه غيبه . فيقول : استحلفه باللّه ما غيب منه شيئا . قال : لا أرضى بيمينه .
قال : فما تريد ؟ قال : أريد أن تحبسه لي . قال : لا آمنك على ظلمه ولا أحبسه .
قال : إذن ألزمه ، قال : إن لزمته كنت ظالما له ، وأنا حائل بينك وبينه . قلت : هذا الحكم عليه جمهور الأمة فيما إذا كان عليه دين عن غير عوض مالي ، كالإتلاف والضمان والمهر ونحوه . فإن القول قوله مع يمينه ، ولا يحل حبسه بمجرد قول الغريم .
إنه مليء ، وإنه غيب ماله .
هامش
( 1 ) : السقطي ص 6
( 2 ) : الأحكام السلطانية ( هامش 277 )
( 3 ) سورة الإسراء آية ( 15 )
( 4 ) الطرق الحكمية ص 2 62 .