عن الخليفة الفاطمي الحاكم أنه برغم شغفه بأن تكون مواكبه في غاية الأبهة ، رأى أن ينيب وزيره في صلاة الجمعة ، لأنه كان يرتج عليه في الخطبة أحيانا .
وكانت الخطبة التي يلقيها الخليفة الفاطمي قصيرة وتشتمل على آية من القرآن . وكان الخليفة يذكر نفسه وأهل بيته بعبارة موجزة ، ويتلو قوله تعالى في سورة النمل ( 27 : 19 )
« رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ »
. ثم يدعو الخليفة لأبيه وجده ، ولمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام ، ولعلى كرم اللّه وجهه ، ولأسلافه الخلفاء ، وأخيرا يدعو لنفسه فيقول :
اللهم أنا عبدك وابن عبدك ، لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ،
« وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ »
( سورة الأعراف 7 ، 188 ) .
وكان الخليفة بختم خطبته بالدعاء للوزير وبنصر الجيش وخذلان الكفار والمشركين .
فإذا فرغ من خطبته قال : أذكروا اللّه يذكركم . ثم يصعد الوزير فيحل السترين ، ويظل هو وقاضى القضاة على الباب ، ويقوم الأستاذون المحنكون وكبار الموظفين العسكريين والمدنيين بحراسة المقصورة .
بعد ذلك يبدأ الخليفة الصلاة ، فيبلغ عنه الوزير ، ثم قاضى القضاة ثم المؤذنون .
فإذا انتهت الصلاة خلا الجامع من الناس ، وخرج الخليفة ، والوزير عن يمينه وقاضى القضاة وداعى الدعاة « 1 » عن يساره ، ويحيط به حرسه الخاص ، ويعود بموكبه على النحو الذي سار عليه في ذهابه إلى الجامع « 2 » .
فإذا انتهت الصلاة استراح الخليفة في الجامع بقدر ما توزع الهبات . فكان يعطى للنائب في الخطابة ثلاثة دنانير ، وللنائب في الصلوات الخمس ثلاثة دنانير ، وللمؤذنين أربعة دنانير ، وللمشرف على خزانة الفرش وفراشها ومتوليها لكل منهم ثلاثة دنانير ، ولصبيان بيت المال ديناران . وقد خصصت رسوم للقراء ، وتعم الصدقات الناس من وقت خروج الخليفة من القصر إلى الجامع حتى يعود « 3 » .
هامش
( 1 ) كان داعى الدعاة يتبع قاضى القضاة .
( 2 ) القلقشندي : ج 3 ص 509 - 512 .
( 3 ) أبو المحاسن : ( طبعة القاهرة ) ج 2 ص 102 - 104 .