الثالث الهجري إنهم « قد تقسموا فنونا مختلفة ، وتخصص كل منهم في فرع من هذه العلوم : فمنهم من تخصص في الفلسفة والكلام ، ومنهم من تخصص في اللغة والنحو ، وقليل منهم من جمع من هذه الأشياء شيئا كثيرا . بل نرى أن هذه الحياة العقلية غلبت العقل العربي على الخيال العربي ، ورفعت شأن النثر على شأن الشعر ، وأكثرت الكتاب وقلت الشعراء » . والذي يهمنا هنا هو النثر الأدبي .
اهتم الأدباء بدراسة البيئة التي تحيط بهم : فألف القاضي محمد بن إسحاق الصميرى المتوفى سنة 375 ه كتاب مساوئ العوام وأخبار السفلة والأغتام « 1 » . ووصف الجاحظ المتوفى سنة 255 ه الحياة في المدن . ويعد أبا النثر العربي الجديد ، كما يعد أعظم كتاب النثر أثرا ، حتى قال ثابت بن قرة المترجم : « ما أحسد هذه الأمة إلا على ثلاثة أنفس . أولهم عمر بن الخطاب ، والثاني الحسن البصري ، والثالث أبو عثمان الجاحظ » « 2 » .
وإن أسلوبه وما تحويه كتبه من معلومات غزيزة يؤهله لأن يوضع في المرتبة الأولى من متقدمى كتاب النثر العربي « 3 » .
ويقول المسعودي « 4 » في مؤلفات الجاحظ : « ولا يعلم أحد من الرواة وأهل العلم أكثر كتبا منه مع قوله بالعثمانية « 5 » . وقد كان أبو الحسن المدائني كثير الكتب . إلا أن أبا الحسن المدائني كان يؤدى ما سمع وكتب الجاحظ . مع انحرافه المشهور : تجلو صدأ الأذهان ، وتكشف واضح البرهان ، لأنه نظمها أحسن نظم ؛ ووصفها أحسن وصف ، وكساها من كلامه أجزل لفظ . وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع ، خرج من جد إلى هزل ، ومن حكمة بليغة إلى نادرة لطيفة . وله كتب حسان منها : كتاب البيان والتبيين « 6 » ، وهو أشرفها ، لأنه جمع فيه المنثور والمنظوم ، وغرر الأشعار ، ومستحسن
هامش
( 1 ) يعنى الأغبياء الجهال .
( 2 ) ياقوت : إرشاد الأريب ج 6 ص 69 - 70 .
( 3 ). 133 . P , i . loV , enworB( 4 ) مروج الذهب ج 2 ص 439 - 440 .
( 5 ) أي تشيعه لعثمان بن عفان كما هو مذهب أهل البصرة ، ومذهبهم مخالف لمذهب الشيعة العلوية في الكوفة .
( 6 ) اعتبر ابن خلدون ( مقدمة ص 506 ) كتاب البيان والتبيين أحد أركان الأدب فقال :
« وسمعنا من شيوخنا في مجالس التعليم أن أصول هذا الفن وأركانه أربعة دواوين وهي أدب الكاتب لابن قتيبة ، وكتاب الكامل للمبرد ، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ ، وكتاب النوادر لأبى على القالى البغدادي ، وما سوى هذه الأبواب الأربعة فتبع لها وفروع عنها » .