بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
مقدمة الكتاب
يسرني أن أقدم إلى قراء العربية الطبعة السابعة من الجزء الثالث من كتابي « تاريخ الإسلام : السياسي والديني والثقافي والاجتماعي » ؛ ويتناول تاريخ الإسلام في مدة قرنين وخمس عشرة سنة ( 232 - 447 ه ) ، من السنة التي ولي فيها الخلافة المتوكل العباسي ، الذي يعتبر عهده بدء عصر انحلال الدولة العباسية ، إلى أن زال سلطان بنى بويه من بغداد .
وإن كان لهذا العصر ميزانه ومظاهر حضارته ، فقد ظهرت فيه دول كثيرة كان لها أثر كبير في تقدم الحضارة الإسلامية . ذلك أن بغداد ، بعد أن كانت مركزا لهذه الحضارة ، ظهرت مراكز أخرى مثل قرطبة والقاهرة وبخارى وغزنة وحلب ، تنافس حضارة العباسيين في الحضارة والعلوم والآداب ، بفضل تشجيع الخلفاء والأمراء والسلاطين رجال العلم والأدب ، واتساع أفق الفكر الإسلامي ، وذيوع الثقافة الإسلامية . كما ساعد قيام هذه الدول على تدفق الثروة واتساع العمران ورفى المجتمع الإسلامي .
وقد قسمت هذا الجزء إلى أحد عشر بابا ، بحثت في الباب الأول منها أثر استبداد الأتراك بالسلطة ( 232 - 324 ه ) . وكيف أصبح في أيديهم تولية الخلفاء وعزلهم ، وكيف كان ذلك من أهم عوامل ضعف الدولة العباسية وزوالها في النهاية على أيدي التتار سنة 656 ه ( 1258 م ) . وتكلمت في الباب الثاني على عصر إمرة الأمراء ( 324 - 334 ه ) ، وبينت كيف استبد أمير الأمراء بالسلطة دون الخليفة ، حتى أصبح ينظر في جميع أمور الدولة ، وعلت مرتبته على مرتبة الوزير الذي لم يبق له سوى الاسم . وعالجت في الباب الثالث حالة الدولة العباسية ، وخاصة بلاد العراق والأهواز وكرمان في عهد بنى بويه ( 334 - 447 ه ) . وكانوا من الشيعة المغالين في عقائد هذا المذهب ، ومن ثم لم يعترفوا بحق الخليفة العباسي السنى في السيادة على العالم الإسلامي ، ولم يتورعوا عن التعدي على شخصه وإضعاف سلطته .
وبحثت في الباب الرابع الولايات الإسلامية التي استقلت عن الدولة العباسية ، حيث قامت في بلاد الفرس وبلاد ما وراء النهر دويلات ، يرجع تاريخها إلى انتعاش روح القومية التي ظهرت منذ أيام المأمون : فقدت قامت الدولة الطاهرية ( 205 - 259 ه ) في خراسان ، ومنها انتقلت السلطة إلى دولة جديدة هي الدولة الصفارية ( 254 - 290 ه )