( ب ) الحسبة :
وكانت سلطة القاضي موزعة بينه وبين المحتسب وقاضى المظالم : فوظيفة القاضي فض المنازعات المرتبطة بالدين بوجه عام ، ووظيفة المحتسب النظر فيما يتعلق بالنظام العام وفي الجنايات أحيانا مما يحتاج الفصل فيها إلى السرعة ، ووظيفة قاضى المظالم الفصل فيما استعصى من الأحكام على القاضي والمحتسب .
وكان القضاء والحسبة يسندان في بعض الأحيان إلى رجل واحد مع ما بين العملين من التباين : فعمل القاضي مبنى على التحقيق والأناة في الحكم ، وعمل المحتسب مبنى على الشدة والسرعة في الفصل « 1 » .
كان عمر بن الخطاب أول من وضع نظام الحسبة ، وكان يقوم بعمل المحتسب ، ولو أن هذا اللفظ لم يستعمل إلا في عهد الخليفة المهدى العباسي .
( 158 - 169 ه ) . وقد رؤى عمر يضرب جمالا ويقول له : « حملت جملك ما لا يطيق » . فالمحتسب إذن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحافظ على الآداب والفضيلة ، وينظر في مراعاة أحكام الشرع ، ويشرف على نظام الأسواق . ويحول دون بروز الحوانيت حتى لا يعوق ذلك نظام المرور ، ويستوفى الديون ، ويكشف على الموازين والمكاييل تجنبا للتطفيف « 2 » ، ويعاقب من يعبث بالشريعة أو يرفع الأثمان ، ويمنع التعدي على حدود الجيران ، وارتفاع مباني أهل الذمة على مباني المسلمين . وقد أجمل ابن خلدون ( مقدمة ص 196 ) أعمال المحتسب في هذه العبارة فقال :
« ويبحث عن المنكرات ، ويعزر ( يزجر ) ويؤدب على قدرها ، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة ، مثل المنع من المضايقة في الطرقات ، ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار من الحمل ، والحكم على أهل المباني المتداعية
هامش
( 1 ) الماوردي : الأحكام السلطانية ص 61 - 72 .
( 2 ) وكان لها دار خاصة : فيطلب المحتسب الباعة إلى هذه الدار في أوقات معينة .
ومعهم موازينهم وصنوجهم ومكايلهم فيعايرها . فإن وجد فيها خللا صادرها ، وألزم صاحبها بشراء غيرها أو أمره بإصلاحها . وقد بقيت هذه الدار طوال عهد الدولتين الفاطمية والأبوبية المقريزي : خطط ج 1 ص 463 - 464 .