قد صدر فيها حكم بإجماع من الصحابة ، بحث عن مشكلة تشبه المشاكل التي بين يديه يكون قد صدر فيها حكم من القرآن أو السنة أو الإجماع ، وهو اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور على أي حكم من الأحكام ، بشرط أن يكون له مستند من الكتاب والسنة ، وهذا يكفى من غير تعرف المستند .
وفي ذلك يقول الماوردي ( ص 63 ) في كلامه عن الشروط التي يجب أن تتوافر في القاضي : « والرابع - عمله بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها ، حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام النوازل وتمييز الحق من الباطل » .
كان عمر أول من عين القضاة في الولايات الإسلامية . وكان القضاة يعينون من قبل الخليفة أو الوالي إذا كانت ولايته عامة ، بمعنى أن تكون له الولاية على الخراج والصلاة معا . فولى أبا الدرداء قضاة المدينة ، وولى شريحا ابن الحارث الكندي قضاء الكوفة ، كما ولى أبا موسى الأشعري قضاء البصرة ، وولى عثمان بن قيس بن أبي العاص قضاء مصر ، وجعل قضاء الشام قضاء مستقلا .
ومن الثابت أن شريحا بن الحارث الكندي كان قاضى الكوفة في عهد عمر ، وأن أبا موسى الأشعري تولى قضاة البصرة من قبل عمر أيضا ، وهذا يخالف ما ذكره بعض المؤرخين من أن عمر أرسل هذا الكتاب إلى أبى موسى الأشعري ، وهو على قضاة الكوفة ، لأنه لم يتقلد ولاية الكوفة إلا في خلافة عثمان ابن عفان « 1 » .
وقد سن عمر لهؤلاء القضاة دستورا يسيرون على هديه في الأحكام ، ويعتبر هذا الكتاب أساس علم المرافعات في القضاء ، وبعث بهذا الكتاب إلى أبى موسى الأشعري وإلى غيره من القضاة وهاك نصه :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى عبد اللّه ابن قيس « 2 » ، سلام عليك ! أما بعد فالقضاء فريضة محكمة ، وسنة متبعة . فافهم إذا أدلى إليك « 3 » ، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له . وليس بين الناس « 4 » في وجهك ومجلسك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك « 5 » ولا ييأس ضعيف
هامش
( 1 ) راجع الطبري ج 4 ص 253 .
( 2 ) هو اسم أبى موسى الأشعري .
( 3 ) أي رفع لك الأمر وجئ به إليك .
( 4 ) أي اعدل وساو .
( 5 ) الحيف : الظلم والجور .