في البر من الخضرة والنور والأنهار الجارية ولقاط الكمأة « 1 » ورعى الإبل وصيد الظباء والأرانب ، وفي الفرات من الملاحين والغواصين وصيادى السمك ، وفي الحيرة من الأموال والخيول ومن يمرج فيها من رعيته ، ففكر وقال : أي درك في هذا الذي قد ملكته اليوم ويملكه غدا غيرى ؟ فبعث إلى حجابه ونحاهم عن بابه .
فلما جن عليه الليل ، التحف بكساء وساح في الأرض ، فلم يره أحد ، وفيه يقول عدى بن زيد يخاطب النعمان بن المنذر :
وتدبر رب الخورنق إذ أش * رف يوما وللهدى تفكير
سره حاله وكثرة ما يم * لك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه فقال : وما غب * طة حي إلى الممات يصير ؟
ثم بعد الفلاح والملك والأم * ة « 2 » وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق ج * ف فألوت به الصبا والدبور « 3 »
تولى المنذر الحكم سنة 520 م . وكان يعاصره كسرى أنو شروان ملك فارس ، وجستنيان إمبراطور الروم ، والحارث بن أبي شمر الغساني عامل الدولة الرومانية على بلاد الشام ، الذي اشتبك مع المنذر في نزاع على الأرض الواقعة جنوبي تدمر ، وتمتد على جانبي الطريق من دمشق إلى مدينة سرجيوس
SilpoigreS
، وتسمى
atartS
« 4 » . فقد كان كل من هذين الأميرين يدعى السلطة على القبائل العربية النازلة بها . ولم يكد ينتهى ما بينهما من نزاع حتى نشبت الحرب بينهما من جديد حول سنة 541 م ، وفيها أسر المنذر أحد أبناء الحارس ، وانتهت الحرب بهزيمة المنذر وقتله في موقعة مرج حليمة سنة 554 م .
غير أن الحرب لم تلبث أن نشبت بين عرب الحيرة والغساسنة ، وانتهت بموقعة
هامش
( 1 ) لقط السنيل ولقاطه ما يلتقط الناس من الثمار ، والكمأة نبات ثرعاه الإبل وقد يأكله الناس وينبت في الأراضي الصحراوية بعد المطر .
( 2 ) الأمة : النعمة .
( 3 ) الصبا : ريح تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل بالنهار ، والدبور : ريح تقابل الصبا . انظر البرى ج 2 ص 72 - 74 . الأغانى ج 2 ص 144 .
( 4 ) نلدكه : أمراء غسان ص 18 .