الروم فتندموا ، فابعثوا إلينا رجالا منكم نسمع من كلامهم ، فلعله أن يأتي الأمر بيننا على ما نحب وتحبون » . ولما أنت رسل المقوقس إلى عمرو ، أبقاهم عنده يومين حتى خاف عليهم المقوقس ، ثم قال لهم عمرو : ليس بيننا وبينكم إلا إحدى خصال ثلاث :
1 - إما دخلتم في الإسلام فكنتم إخواننا وكان لكم مالنا وعليكم ما علينا .
2 - وإن أتيتم فالجزية عن يد وأنتم صاغرون .
3 - وإما القتال حتى يحكم اللّه بيننا وبينكم وهو أحكم الحاكمين .
ولما عاد الرسل إلى المقوقس ، سر بلقائهم وسألهم عن حال المسلمين فأجابوا :
رأينا قوما الموت أحب إليهم من الحياة . والتواضع أحب إليهم من الرفعة ، ليس لأحد منهم في الدنيا رغبة لا نهمة . جلوسهم على التراب وأميرهم كواحد منهم ، ما يغرف كبيرهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد ، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد ، يغسلون أطرافهم بالماء ويخشعون في صلاتهم » .
وقد أرهب المقوقس هذا الحديث ، فأشار على قومه بطلب الصلح ، وأرسل إلى المسلمون أن يبعثوا إليه رسلا للمفاوضة في الصلح . فبعث عمرو عشرة رجال فيها عبادة بن الصامت ، وأمره أن يكون هو المتكلم . ودارت المحادثات بين الطرفين ، وسلك المقوقس طريق الإرهاب المصوغ في قالب النصيحة ، وألح على عبادة وأصحابه أن يجيبوه إلى خصلة غير هذه الثلاث ، فرفع عبادة يديه وقال :
لاورب هذه السماء ، ورب هذه الأرض ، ورب كل شئ . ما لكم عندنا خصلة غيرها ، فاختاروا لأنفسكم » . فقال المقوقس لقومه : « أطيعونى وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث . فو اللّه ما لكم بهم من طاقة ، وإن لم تجيبؤا إليهم طائعين ، لنجيبنهم إلى ما هو أعظم من هذه كرها » « 1 » .
ولما كتب المقوقس بذلك إلى هرقل رد عليه يوبخه ويحقر من قوة المسلمين ، وكتب بمثل ذلك إلى قواد الروم الذين مع المقوقس ، فأعادوا الكرة على المسلمين ونبذوا صلحهم . أما المقوقس فإنه لم يعبأ بهرقل ، بل أعلم عمرو بن العاص أنه لم
هامش
( 1 ) راجع ابن عبد الحكم ص 59 - 63 .