اختيارا منك ، لجدنا لموتك بالنفوس ، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشؤون « 1 » ، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف « 2 » يتخالفان ولا يبرحان . اللهم فأبلغه عنا السلام . اذكرنا يا محمد عند ربك ، ولنكن من بالك ، فلو لا ما خلفت من السكينة لما خلفت من الوحشة ، اللهم أبلغ نبيك عنا ، واحفظه فينا ! » .
ثم خرج أبو بكر إلى الناس وخطب خطبته الحكمية . فثاب الناس إلى رشدهم :
« أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، وأشهد أن الكتاب كما نزل ، وأن الذين كما شرع ، وأن الحديث كما حدث ، وأن القول كما قال ، وأن اللّه هو الحق المبين : ثم قال أيها الناس ! من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ؛ ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت ، ثم تلا هذه الآية
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ . أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
« 3 » ، وإن اللّه قد تقدم إليكم في أمره فلا تدعوه جزعا ، وإن اللّه قد اختار لنبيه ما عنده وما عندكم ، وقبضه إلى ثوابه وخلف فيكم كتابه وسنة نبيه . فمن أخذ بهما عرف ، ومن فرق بينهما أنكر . « يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم ولا يفتننكم عن دينكم ، فعاجلوه بالذي تعجزونه ، ولا تستنظروه فيلحق بكم » « 4 » .
« روى عن مالك أنه قال : بلغني أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توفى يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء ، وصلى عليه الناس أفواجا لا يؤمهم أحد .
وقد اختلفوا في مكان دفنه . فقال بعضهم : ندفنه في مكة مسقط رأسه ، وقال آخرون بالبقيع مع أصحابه ، وقال غيرهم : ندفنه في مسجده ، فقال أبو بكر :
هامش
( 1 ) جمع شأن وهو مجرى الدمع إلى المعين .
( 2 ) دلف المريض كفرح . وأدنف : ثقل ، والشمس : دنت للغروب وأصفرت .
( 3 ) سورة آل عمران 3 : 144 . وقد نزلت هذه الآية في غزوة أحد .
( 4 ) ابن هشام ج 4 ص 335 . الطبري ج 3 ص 197 - 198 : زهر الآداب ج 1 ص 35 .