الحياة التي صار إليها المسلمون . وهكذا اضطرت القبائل العربية إلى أن تذعن للنبي لا لمجرد أنه رئيس لأقوى قوة عسكرية في بلاد العرب ، بل لأنه رمز لمذهب حياة اجتماعية كان يجعل كل خارج عليه ضعيفا عديم التأثير « 1 » .
9 - وفاة الرسول :
وفي السنة العاشرة للهجرة خرج الرسول للحج في أكثر من مائة ألف من المسلمين . وعند جبل عرفات ألقى على المسلمين خطبته الخالدة « 2 » التي تعتبر دستور الإسلام . ولا غرو فقد بين فيها دستور الإسلام وقواعده ، ونادى بالمساواة بين الناس ، لا فرق في ذلك بين العبد الحبشي والشريف القرشي : « أيها الناس ! إن ربكم واحد ، وإن أباكم واحد . كلكم لآدم وآدم من تراب ، إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم ، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى » .
وقد تم القرآن بنزول قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
( سورة المائدة 5 : 4 ) .
ولم يمض على حجة الوداع ثلاثة أشهر حتى مرض الرسول عليه الصلاة والسلام بالحمى . فلما رأى الأنصار اشتداد المرض عليه أحاطوا بالمسجد ، فأخبره الفضل بن العباس وعلي بن أبي طالب بذلك ، فخرج متوكئا على علىّ والعباس والفضل أمامهما . وكان الرسول معصوب الرأس يخط برجليه ، فجلس في أسفل مرقاة من المنبر وقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه : « أيها الناس ! بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم . هل خلد نبي قبلي ممن بعث اللّه فأخلد فيكم ؟
ألا إني لا حق بربى ، وإنكم لا حقون بي . فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا ، وأوصى المهاجرين فيما بينهم فإن اللّه تعالى يقول :
وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
( سورة العصر : 103 ) . وإن الأمور تجرى بإذن اللّه ، ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله ، فإن اللّه عز وجل لا يعجل بعجلة أحد ، ومن غالب اللّه
هامش
( 1 ) أرنولد : الدعوة إلى الإسلام ص 59 - 60 .
( 2 ) راجع هذه الخطبة في ابن هشام ج 4 ص 275 - 276 .