ثم قال : اذهبوا فأنتم شيوم ( آمنون ) بأرضى . من سبكم غرم ( أي عاقبناه ) ، فانصرفوا ، ورجع بعضهم إلى مكة قبل هجرنا الرسول إلى المدينة ، وأقام بعضهم في الحبشة إلى السنة السابعة للهجرة .
ولما رأت قريش أن مكايدهم التي دبروها للرسول قد أخفقت ، أجمعوا أمرهم على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب ، وعاهدوا أنفسهم على ألا يتعاملوا مع هذين البيتين ، فلا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم من أنفسهم . ولا يتجرون معهم حتى يسلموا إليهم رسول اللّه ليقتلوه . وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة ، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا ، حتى جهدوا لا يصل إليهم شئ إلا سرا مستخفيا ممن أراد صلتهم من قريش .
وهكذا ظل بنو هاشم مهجورين في شعب من شعاب مكة ، إلا في الأشهر الحرم حيث حرم القتال في كافة أنحاء بلاد العرب ، وعقد حلف بين الفريقين حتى يتمكن الحجيج من زيارة الكعبة المكرمة التي كانت تعد مركز ديانة العرب في ذلك الحين .
وقد رئى بعض القرشيين لحال بني هاشم وبني المطلب وتعاقدوا على نقض الصحيفة وإخراجهم من الشعب ، وكان من بينهم زهير بن أمية بن عائكة عمة الرسول ، فقد حرض قومه على الخروج على الصحيفة وقال لهم : « يا أهل مكة ! أنأ كل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم والمطلب هلكى لا يبيعون ولا يبتاعون ؟ واللّه لا أقعد حتى تشق الصحيفة الظالمة القاطعة » . فعارضه أبو جهل ، فقام المطعم بن عدي - وكان من بيت نوفل بن عبد مناف - إلى الصحيفة فشقها ، وبذلك نقضوا هذه الصحيفة ، فعاد بنو هاشم والمطلب إلى مساكنهم بعد ما ذاقوه من العذاب « 1 » .
5 - الهجرة إلى يثرب
كان الرسول في ذلك الوقت يحد في نشر الدعوة الإسلامية ، وكان أهل بيته مسلمهم وكافرهم ينصرفونه ، على الرغم مما لا قوه من الشدائد والأهوال . وما وافت
هامش
( 1 ) ابن هشام ج 1 ص 360 ، 372 ، 375 ، 397 - 399 .