فلم تثنه هذه المواعظ في تقدمتها عن غيّه . ولا ردّته هذه النصائح عن استدامة رئاستها ، ولا قدرت على ليّه « 1 » . بل أصرّ على ما زيّنت له في أمرها النفس الأمّارة . واستمر على طاعتها معرضا عمّا يشير به العقل من مصالح الولاية والإمارة . وأقامت هذه الحظيّة على ملازمة التنبيه له في كلّ وقت برقيق لفظها ، وداومت على مواظبة التذكير له والتحذير برقيق وعظها . فلما أكثرت عليه ، غضب غضبا شديدا . وهمّ بأن يرهقها من عذابه صعودا . فلم يرعها ذلك ولا أفرقها « 2 » . ولا صدّها عن النصيحة التي قد أنار العقل لها طرفها . بل قالت له : أيها الملك إنّ الأفاضل من الملوك إنما يعاقبون للذنب لا للغضب « 3 » . وإذا عاقبوا لم يتجاوزوا بالمجرم حدّ الأدب . وإني لم آت جرما ولا اقترفت ذنبا . ولا قلت ما قلته إلّا نصيحة « * » لك أيها الملك وحبّا . ومن لم يكظم غيظه « 4 » ندم . وقلّ من صبر على حرارة جمرة الغضب في أوائلها إلّا نجا من إحراقها المهلك وسلم . ولم يزل الغضب أبدا حاملا على العار والفضيحة . ومغطيا على الفكرة السليمة والروّية الصحيحة . وها أنا أذكر لك بعض آثاره الشنيعة القبيحة .
وأضرب لك في ذلك مثلا ، فإنّ الأمثال رياض العقول الفسيحة .
[ الدّجاجة والقط ]
ذكر أن بعض البخلاء اشتهى يوما دجاجة فائقة على صفة
هامش
( 1 ) ليّه : التغلب عليه .
( 2 ) أفرقها : أفزعها .
( 3 ) راجع فقرة الخصال التي أثبتها المؤلّف في مقدمته للكتاب ، ص 49 .
( * ) كلمة نصيحة غير معجمة في الأصل .
( 4 ) كظم غيظه : ردّه وحبسه .