فحدث صدام وصراع في زمن الرسول ، واستمرّ هذا الصدام والصراع بعد وفاته بين هذين التيارين الرئيسين : التيار القبلي والتيار الإسلامي ، ودارت حولهما أهم أحداث التاريخ العربي في صدر الإسلام .
ولقد كانت وجهة التيار الإسلامي نحو توحيد الجزيرة سياسيا ودينيا ، وإبادة عوامل الانقسام وتوسيع رقعة الإسلام ، وسيادة الأسس الإسلامية في الحياة العامة .
أمّا اتجاه التيار القبلي ، فكان مقاومة الاتجاه المركزي ونحو استمرار التقاليد العربية القبلية على رغم اصطدامها أحيانا بالمبادئ والاتجاهات الإسلامية .
وإني لأكتفي في هذه المقدمة بتوضيح أثر هذين الاتجاهين مع الإشارة إلى ما استجد خلال سير الأمة العربية من عوامل هي في الغالب تتمة لهذين الاتجاهين .
لقد كانت قوة الرسول وعظمة تعاليمه التي تتمثل حية في شخصه وتعاظم نفوذ المسلمين عوامل فعالة في إضعاف قوة الاتجاهات القبلية في حياته .
ويمكننا أن نلقي نظرة خاطفة على تدرّج هذا الصراع في حياة الرسول . فإنه بدأ دعوته في مكة يبشر وينذر . وكانت المصالح والنزعات تقف سدا في طريقه .
فهناك أهل الترف والثروة والجاه الذين يرون في الاتجاه الجديد الذي يدعو إلى إنصاف الضعفاء والرفق بالفقراء ولا يشجع على كنز الأموال ، خطرا على مصالحهم .
ويرون في الدعوة الجديدة تهديدا لمركز مدينتهم الديني ، وعليه تعتمد أسواقهم وتجارتهم وحرمتهم اعتمادا كبيرا ، فلم يرتاحوا لها . وأقلقهم أن يلتف حول الداعي الجديد الفقراء والمستضعفون ، فخضوا اضطراب الوضع الاجتماعي واختلاله . ولم يرتاحوا لرجل ضعيف الحال ، وإن كان رفيع النسب ، يلقي بدعوة تجمع الرئاسة الدينية والزمنية في شخصه
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
« 3 » وكيف يتنازل الملأ وزعماؤه عن نفوذهم ليتيم من مكة ! فحاربوا دعوته التي تضلل أحلامهم ، وتسفّه آباءهم ، وتهاجم قوّة العادة والتقاليد من أساسها ، ولا ترى لأي عرف عندهم قدسية ، وهم قد درجوا على احترام السلف وعلى تقديس العرف . والدين إن لم يكن عقيدة شخصية مهمّة ، فهو رابطة اجتماعية كبيرة ، تنظم حياتهم وعلاقاتهم ، فجاءت الدعوة الجديدة تهدد هذه الرابطة وتسفه الخلف والسلف . اجتمعت هذه العناصر في مقاومة المكيين .
ولكن الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) جريء قوي مؤمن برسالته . ثم إن بني هاشم ، من أسلم
هامش
( 3 ) المصدر نفسه « سورة الزخرف ، » الآية 31 .