والحميريين أصحاب الخط المسند والقصور الشامخة ، والمناذرة أحلاف الفرس ، والغساسنة أحلاف الروم ، والمجتمع المكي المتصل بمختلف الجهات .
وإذا كانت دول الجنوب قد انهارت أمام قوى البيزنطيين والأحباش والفرس ، وإذا كانت دول الشمال قد انحدرت متلاحقة أو وضعت تحت الحماية نتيجة طموح وتنافس الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ، فإن الإرث الحضاري لم يتلاش في المجتمعات العربية المستقرة . ولكن انهيار هذه الدول أدى إلى توسع موجة البداوة التي كانت تعم وسط الجزيرة ، وإلى امتدادها إلى بعض الأطراف . وحتى هذه لم تكن بداوة بدائية ، ويكفي أن نشير إلى غنى اللغة العربية وإلى ازدهار الشعر وإلى التطورات الدينية قبيل الإسلام لنرى تعبيرا عن مستوى فكري وثقافي حسن .
ولا يهمنا هنا أن نرد على المؤرخين القدامى الذين قدموا صورة مشوّهة للتاريخ العربي قبل الإسلام . فبعضهم حاول تشويه هذا التاريخ بنية حسنة وهي تمجيد الإسلام وتأكيد مجده ، وهم بنيتهم الطيبة لا يحققون ذلك الغرض في نظرنا لأن البيئة التي ينمو فيها الدين لها أثر في تطوره ، وهم في نظرهم هذا جعلوا بعضا من المؤرخين المحدثين ينظرون إلى الحركة الإسلامية بأنها حركة بدوية ، وهذا يناقض أسسها ووجهتها . وآخرون من عرب الجنوب زيّفوا هذا التاريخ وأكسبوه صفة أسطورية ليمجدوا أسلافهم في وجه مفاخر عرب الشمال . وأراد غيرهم من الشعوبيين ضرب التراث العربي القديم فشوّهوه ليؤكدوا تفوّق الأعاجم . وأخيرا جاء بعض المحدثين يكتب دون تمحيص ، ولولا الدراسات الأثرية والحفريات « 1 » لبقينا نتخبط في متاهة مضللة .
- 2 -
ظهر الإسلام في بيئة مكة الحضرية وكانت توجيهاته وتعاليمه حضرية في أسسها ، فوقف ضد تيار البداوة وضد اتجاهاتها في كثير من الأمور الرئيسية .
ويكفينا هنا أن نذكر بعض اتجاهاته :
حاول الإسلام أن يكافح الاتجاهات القبلية ، ويظهر ذلك بقوة في مكافحة العصبية القبلية ، وإحلال رابطة جديدة بين الأفراد تحل محل رابطة الدم ، تلك هي
هامش
( 1 ) وكأمثلة للنتائج الحديثة أشير إلى بحوث غونزاغ ريكمانز( Gonzague Ryckmans )ونيلسون (Nielsen) وجاك ريكمانز( Jacques Ryckmans )، وإلى الCorpus inscriptionumوالSemiticarum Corpus.