ومن العجيب أن هذين العالمين المتعاصرين تمكنا من القيام بالتدريس كل في مدينة ، أبو حنيفة بالكوفة وجعفر الصادق بالمدينة ، مدة طويلة في مثل هذا العصر المضطرب . وكانت العلاقة بينهما ودية . ويظهران كلا منهما حاول أن يشتهر بمعرفته كل شئ .
ويروى لنا ابن خلكان نكتة ظريفة للإمام جعفر على منافسه في العلم ، ذلك أنه سأل أبا حنيفة فقال : ما تقول في محرم كسر رباعية ضبى ؟ . فقال :
يا بن رسول اللّه ، ما أعلم ما فيه . فقال : أنت تتداهى ، ولا تعلم أن الضبي لا يكون له رباعية وهي ثنى أبدا « 1 » .
ومرة أخرى قال أبو حنيفة : لو لم يقل الامام ثلاث مسائل لقبلت به . فقد قال : إن الخير من اللّه والشر من عمل عباده . وأقول إن لا اختيار للعبد وان الخير والشر من اللّه . والثانية أنه قال : ان الشيطان يعذب يوم القيامة بالنار .
وأقول : ان النار لا تحرقه فهو من نار والنار لا تؤذى نفسها « 2 » .
والثالثة أنه قال باستحالة رؤية اللّه بالدنيا أو الآخرة . وأقول : إن كل موجود يمكن رؤيته ان لم يكن في هذه الدنيا ففي الآخرة . وكان بهلول يسمع ، وهو من المتشيعين للامام ، فرفع لبنة وضرب بها رأس أبي حنيفة .
وقال وهو يهرب . لقد فندت مسائلك الثلاث . فاشتكاه أبو حنيفة إلى الخليفة فأمر ببهلول وجئ به . فسأله : لم ضربت رأس أبي حنيفة بلبنة ؟ » فقال لم أفعل ذلك . فاحتج أبو حنيفة قائلا : ولكنك ضربتني . فأجاب بهلول :
ألم تقل ان الشر من اللّه ولا اختيار للعبد فلم تلمني ؟ وقلت كذلك : ان الشئ لا يؤذي نفسه . وأنت خلقت من تراب وكانت اللبنة من التراب
هامش
( 1 ) ابن خلكان طبعة بولاق سنة 1284 ( ج 2 ص 113 )
( 2 ) جاء في القرآن ان اللّه خلق إبليس والجن من النار ( سوره الكهف 48 ) ( سوره الأعراف 12 ) سوره ص 76 وحلق آدم من طين . انظر دائره المعارف مادة الملائكة بقلم ماكدونلد .