الجماعة في اتجاه مصالحه الخاصة . وفي النهاية تظهر السلطة ( السياسية ) كنتاج للمنافسة وكوسيلة لحاتوائها « 1 » .
فالسلطة ضرورية لأسباب داخلية ، ولكنها ترتبط أيضا بأسباب خارجية حيث تستند بفعل التهديد الخارجي لأنه يتجه إلى المجتمع البدائي ، إلى تنظيم دفاعاته وتحالفاته ، وتمجيد وحدته وتماسكه ، وسماته الخاصة .
الإقطاعية وعلاقات التبعية :
أظهرت بعض الدراسات الأنتربولوجية التي اهتمت بالمجتمعات التي توصف « بالإقطاع » وبشكل ملموس تمفصل التفاوتات ونظام السياسة ، رغم المجادلات التي تقارن الإقطاعية الحقيقية إقطاعيات القرون الوسطى الأوروبية بالإقطاعيات التي حفلت بها آسيا وأفريقيا .
ففي رواندا حيث التدرج الاجتماعي وتسلسلات السلطة والنفوذ ، والعلاقات بين الأشخاص ترتبط بمجملها بملكية الأرض والماشية ، وعلاقات السلطة فيها تعود لأرستقراطية محدودة العدد ، فإن الحكام الحقيقيين كانوا « أمراء الأسرة الملكية » وتعمل علاقات « الموالاة » لا سيّما داخل الطائفة « المغلقة » المسيطرة ( طائفة التوتسي ) حيث تكون بمثابة وسيلة ارتقاء . وتتوطد هذه العلاقات إما على أساس حيازة الماشية ، وإما على أساس حيازة الأرض ، وهنا يكون لها بالضرورة مغزى سياسي . ومع هذا المظهر تخلق حلقة من المفضلين والموالي ، وتندرج في إطار « التسلسلات السياسية الإقليمية » « 2 » .
فأصحاب السلطة على الأرض هم الأقوى والأغنى ، ومن هنا نجد أن العلاقات الإقطاعية تتدخل كوسيلة في خدمة المحافظة على السلطة .
على هذا النحو ومن خلال عرض هذه الاتجاهات التي حاولت تفسير أسباب استمرار الروابط التقليدية في الميدان السياسي ، يمكننا الاستنتاج ، أن كلا منها قدم رؤية تفسيرية لهذا الواقع من زاوية خاصة ، ولذلك جاءت الإجابات متفاوتة فيما بينها .
ولكن فيما يتصل بإمكانية اعتماد إحداها كإطار نظري موجه للدراسة ، يمكن أن نشير في المجال إلى أن الاعتماد على مبدأ العصبية الذي قدمه ابن خلدون ، وإن ما زال يشكل منطلقا لدراسة الجماعات القرابية ، لكن التطور الذي أحاط بهذه الجماعات من بنى اجتماعية واقتصادية وسياسية ، يجعلنا نرى استمرار هذه الروابط مسكونا بهاجس الإسقاط المتعمد لبنى تاريخية ، متجاوزين بذلك التغيرات القائمة في عصرنا الراهن .
هامش
( 1 ) جورج بلاندييه ، الأنتربولوجيا السياسية ، ترجمة علي المصري ، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع ، بيروت 1990 ، ص 54 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 125 .