أما لدى الوحدات القرابية التي لم تشكل مواقع السلطة والنفوذ ، فبدلا من أن يؤدي استمرار تردي أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية إلى مناوأة أصحاب الملكيات الكبيرة من خلال الانفتاح على الحركات الحزبية ، استمرت في المحافظة على بنيانها الداخلي ضمن الأسرة الواحدة من أصحاب الحيازات الصغيرة لوجود قوانين الملكية الجماعية للأرض . كذلك استمر أفراد العائلات من العاملين لدى أصحاب الملكيات الكبيرة في إظهار الولاء والطاعة لأصحابها ، بعد ما أصبحت هذه الأخيرة تتقرب منها بالود لحاجتها إليها في تعزيز استمرار مواقعها من خلال البرلمان .
في مرحلة الاستقلال ، وجدنا أن لبنان شهد وحتى نهاية الخمسينات ، ازدهارا شمل مختلف قطاعاته الإنتاجية ، بينما بقيت هذه القطاعات تعاني من الهزال والضعف في المنطقة المدروسة ، فضلا عن استمرار تخلّف القطاع الزراعي .
ورغم أن المرحلة الشهابية سعت إلى تقليص الفروقات الاجتماعية بين المناطق عبر بعض الإصلاحات على المستوى الزراعي ، غير أن افتقاد هذه التوجهات إلى سياسة إنمائية فعلية ، أبقى الأراضي الزراعية كما كانت عليه في المراحل السابقة . فغياب دور الدولة وعجزها عن تحقيق تنمية فعلية ، دفع الوحدات القرابية نحو تمتين الارتباط بموقع زعامة القرابة على قاعدة فكرتي الخدمة والوساطة ، التي تكرست بفعل طبيعة المجتمع اللبناني ، المتعايش مع العلاقات الرأسمالية والخدماتية المنتجة من خلال مواقع النفوذ والسلطة .
- في مرحلة الحرب الأهلية ، شهدنا تفكك اللحمة القرابية ، حيث تحولت الوحدات القرابية نحو العمل الحزبي ثم الطائفة . فقد شكل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تزامنت مع الحرب ، إلى شعور الوحدات القرابية خصوصا النازحة من ضواحي بيروت ، بفقدان موارد رزقها ، فدفعها ذلك نحو الحركات الحزبية بهدف الاستفادة من التقديمات والرواتب التي راحت تؤمنها الأحزاب للمنضوين في صفوفها .
غير أن نجاح الحركات الحزبية في تشكيل الإطارات البديلة للعديد من أفراد الوحدات القرابية لم يؤذن له الاستمرار ، إذ حين بدأت الطائفة وعلى وقع الحرب الأهلية ، تشق طريقها نحو التعبئة الاجتماعية التي قادها الإمام الصدر ، والتي راحت تؤطر أفرادها تحت اسم « حركة المحرومين » .
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً ) — صفحة 225
مساهمون: غسان فوزى طه
ص٢٢٥